قصص و روايات

زوجة أبي

توفيت زوجة أبي الأولى تاركة خلفها ابنة واحدة عمرها 15 عاماً. وبعد فترة ليست بالطويلة، تزوج والدي بأمي، وبدأت رحلتها المباركة مع الأمومة؛ فخلال أحد عشر عاماً أنجبت أربعة أولاد وبنتين.

 

ثم شاءت القدر أن يُصابها مرض نادر أدى إلى ضمور عصبي أقعدها عن الحركة تماماً، إلى أن توفاها الله. وهنا، تصدرت أختنا الكبرى (خديجة) المشهد الإنساني بأسره؛ فقامت على رعايتنا وتربيتنا بالكامل، رغم أن مسؤوليتها كانت جسيمة بوجود خمسة أطفال من أبنائها. وحين توفيت أمي، كان أصغر طفلين لها دون السنة والنصف، فقام قلب أختي الكبير باحتضانهما، فأرضعتهما مع طفلتها التي كانت في عمرهما، وظلت ترعى أبناء الأسرتين بصورة مستدامة.

ولم تتوقف جهودها عند التربية، بل كانت تتولى كافة أعباء المنزل من طبخ وتنزيه وتنظيف وغسيل، نظراً لظروف والدي الصعبة التي لم تكن تسمح باستقدام مساعدة منزلية. وبعد وفاتها لزوجها، اضطرت للانتقال مع أولادها إلى جوار بيتنا لتستمر في الإشراف الكامل على الأسرتين، لدرجة أننا كنا وما زلنا نناديها بـ “أُمي” لا “أختي”.

ولم يقتصر برها وحنانها علينا، بل ضربت أروع الأمثلة في البر بوالدنا رحمه الله. ففي آخر حياته، وعندما قارب التسعين من عمره، أُصيب بمرض الزهايمر وضمور في الجسم وصعوبة بالغة في الحركة. وكانت أختي هي التي تتولى رعايته الكاملة؛ تغسله، وتلبسه، وترافقه، وتقوم بكل شؤونه بعناية فائقة وصبر لا يُباري، لا سيما عندما اشتد عليه المرض وأصبح يحتاج إلى رعاية دقيقة ومستمرة على مدار الساعة، فكانت تقابل تعبه بالدعاء والتسبيح والاحتساب حتى توفاه الله راضياً عنها.

واليوم، وقد بلغتُ أنا سن الخمسين، تجاوزت أختي السبعين وأصبحت امرأة مسنة تستحق كل إكريم. والحمد لله الذي منّ علينا بتحسن أحوالنا المادية، فاستطعنا أن نرد لها بعض جميلها؛ فاشترينا لها بيتاً كبيراً يليق بمكانتها، وأحضرنا لها من يخدمها كما خدمت عائلتنا طوال حياتها.

ومن أعظم صور البر والتقدير التي رأيناها تتجسد أمامنا، أن أحد أبنائها وأحد إخوتي حملاها على أكتافهما وطافا بها حول الكعبة المشرفة، وسعيا بها بين الصفا والمروة وهي في هذه السن المتقدمة. بل إننا نتسابق اليوم فيما بيننا على خدمتها، ولا أذكر منذ سنوات أنها اضطرت للانحناء لغسل قدميها عند الوضوء، فهذه مهمة نتولاه نحن وابناؤها بكل حب وامتنان.

لقد عرضت هذه القصة الحقيقية لتكون تجربة حياتية ملهمة؛ عشنا تفاصيلها وما زلنا ننعم ببركاتها، لتعلمنا جميعاً أن بر الوالدين وصلة الرحم هما دين وسداد، ينال العبد أجره وبركته في الدنيا قبل الآخرة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى