
بعد أقل من ساعتين كانت دوريات الشرطة وفريق الأدلة الجنائية يشقون طريقهم عبر الغابة الكثيفة باتجاه المنطقة المحددة. الطريق الترابي كان مهجوراً تقريباً تغطيه طبقة سميكة من الأوراق المتحللة وكأن أحداً لم يمر به منذ زمن طويل. وعلى بعد نحو كيلومترين من الطريق العام ظهر كوخ خشبي قديم نصف منهار تحيط به أشجار صنوبر عالية تحجب الضوء. بدا المكان مهجوراً تماماً؛ النوافذ مغطاة بألواح خشبية والباب الأمامي متآكل ولا أثر لأي حركة حديثة. لكن أحد الضباط لاحظ شيئاً غير متوقع؛ آثار عجلات قديمة نسبياً عند الجانب الخلفي بالكاد ترى تحت الطين المتجمد.
دفعوا الباب بحذر فانفتح محدثاً صريراً حاداً تردد صداه في الغرفة الفارغة. كان الداخل مظلماً ورطباً تفوح منه رائحة عفن ثقيلة. الأثاث قليل ومتهالك ولا شيء يوحي بأن أحداً عاش هناك مؤخراً. ومع ذلك كان شعور غامض بأن المكان ليس خالياً تماماً. أثناء تفتيشهم لاحظ أحد أفراد الفريق باباً خشبياً صغيراً في أرضية المطبخ يكاد يختفي تحت سجادة قديمة. عندما رفعوها ظهر مقبض معدني صدئ. تبادل الضباط النظرات قبل أن يسحب أحدهم المقبض ببطء، انفتح الباب ليكشف عن درج ضيق يقود إلى قبو مظلم. وما إن تسرب ضوء المصابيح إلى الأسفل حتى ظهرت أولى العلامات؛ جدران خرسانية عليها خدوش عميقة، وسلاسل مثبتة في الحائط، وطاولة معدنية صدئة في الوسط. كان المكان صامتاً لكن الصمت نفسه بدا ثقيلاً كأنه يحتفظ بذكرى ما حدث هناك.
اقترب خبير الأدلة الجنائية من الطاولة ثم تجمد مكانه للحظة. فوق سطحها كانت هناك أدوات معدنية صغيرة مرتبة بعناية، بعضها طبي الشكل وبعضها معدل بطريقة بدائية. لم يكن هناك شك؛ هذا هو المكان الذي احتجزت فيه ميا. في تلك اللحظة دوى صوت أحد الضباط من زاوية القبو: “وجدنا شيئاً هنا!”. كان يشير إلى صندوق خشبي صغير خلف الجدار، وعندما فتحوه ظهر داخله عدد من الدفاتر القديمة. قلب المحقق غيل الصفحات بسرعة، فتبين أنها ملاحظات مكتوبة بخط واحد تسجل تواريخ وأوقاتاً وكلمات مقتضبة تصف المراحل والتجارب كما لو كانت تقارير علمية باردة. أغلق الدفتر ببطء وشعر ببرودة تسري في أطرافه. لم يعد السؤال ماذا حدث لميا، بل أصبح من فعل ذلك وأين اختفى الآن.
وفي المستشفى كانت ميا ما تزال مستلقية بصمت، عيناها مفتوحتان تحدقان في السقف. دخلت الممرضة لتطمئن عليها فلاحظت أن يدها تحركت قليلاً فوق الملاءة. وعندما اقتربت رأت إصبعها يشير ببطء نحو الطاولة الصغيرة بجانب السرير حيث وضع الحاسوب اللوحي. وعلى الشاشة تحت الخريطة التي رسمتها سابقاً ظهرت خطوط جديدة كانت قد أضافتها قبل قليل: رسم لباب، وتحت الباب شكل بسيط لوجه بلا ملامح يقف خارجاً.




