قصص و روايات

بنت الشارع

اتجوزت متسولة منتقبة قاعدة تحت الكوبري عشان أعاقب أهلي على عملتهم في خطيبتي الأولى، ولما أهلي شافوها بان الرعب في عيونهم وصرخت فيا، أنت متعرفش المصيبة اللي عملتها في نفسك، ولما كشفت النقاب من على وشها فهمت أمي تقصد إيه!!!!

 

أنا اتولدت وفي بوقي معلقة دهب زي ما بيقولوا، بس للأسف أهلي شافوا الفلوس دي تذكرة تحكم في حياتي كلها وامتلاك تام لقراراتي. بالنسبة لهم، أنا مجرد عيل صغير أي واحدة ممكن تضحك عليه بسهولة عشان تلهف فلوسه وأملاكه، وكانوا مصممين إني ما أتجوزش غير واحدة على مستواهم.

بس أنا كنت مخنوق جداً من العيشة دي والفكر المادي ده، خصوصاً إن قلبي اتعلق بواحدة تانية خالص. زميلتي في الجامعة، بنت محترمة وطيبة، كل عيبها في نظر أهلي إن أبوها راجل غلبان على قد حاله، وشايفينهم مش قد مقامنا.

صممت بكل إصرار إني أخطبها، وأهلي حولوا حياتي لجحيم من الرفض والضغط، بس تمسكي بيها خلاني أقف قدامهم لحد ما وافقوا نعمل خطوبة.

بس يا ريته ما حصل ولا رحت بيهم هناك! يوم الخطوبة، أهلي عملوا كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. بهدلوا البنت وأهلها، وأمي طلعت في وسط الناس وقالت احنا جايين النهارده نخطب بنت الحسب والنسب، ونهنيها إنها لقت صيدة سهلة زينا وقدرت توقع واحد متريش!.

أهل البنت اتصدموا من الإهانة وأبوها وقف بذهول وقال إيه اللي بتقوليه ده يا هانم؟!

أمي ضحكت ببرود وقالت له بالضبط، أنا بالنسبالكم هانم، وانتو آخركم خدم، مش تطمعوا في ابني وتوقعوه عشان فلوسه!.

الكلمة جرحت كرامتهم ودمرت كل شيء. أنا اتصدمت وحاولت أوقف أمي، بس لسانها ما كانش بيسكت، وأبويا اتدخل دعمها وقالهم احنا منتشرفش بيكم، وخلو عندكم دم واطلعوا بره حياتنا!.

ساعتها، كرامة أبو العروسة اتفجرت من القهر قدام الناس كلها، وحلف يمين ما اتجوزها ولا تكون ليا، ولا حتى سمح لها تكلمني تاني.

حاولت معاه بكل الطرق، بس قفل الباب في وشي ورفض تماماً أي تواصل بينا. وبعد أيام قليلة من العذاب كانت الصدمة الكبرى لقيتها اتخطبت لشاب تاني اختاره أبوها بنفسه عشان يبعدها عننا.

وقتها حسيت بغضب وظلم ميتوصفش، النار كانت قايدة جوه صدري من أهلي وطمعهم اللي ضيع مني حب عمري. وأنا راجع البيت روحي كانت مسحوبة مش معايّا من القهر والغضب، لحد ما لقيت تحت الكوبري بنت منتقبة قاعدة بتتسوّل في البرد. منظرها كان يقطع القلب؛ هدومها مقطعة ومبهدلة، ونقابها متبقع وعليه تراب الدنيا، وماسكة في إيدها لقمة ناشفة هتاكلها عشان تسد جوعها.

صعبت عليّا حالتها جداً، نزلت من العربية ورحت حطيت لها ميتين جنيه في المنديل اللي قدامها. البنت بصت للفلوس كأنها لقت مليون جنيه، وفضلت تدعي لي بدموع وفرحة.

لحد هنا كنت هسيبها وأمشي، بس فجأة افتكرت أهلي وغضبهم وطمعهم، وافتكرت خطيبتي اللي ضاعت بسببهم. بصيت للبنت وخطرت في دماغي فكرة، وقلت في نفسي هيحصل إيه لو ابنهم اللي استخسروه في البنت الغلبانة وناسها دخلهم بالبنت دي!.

وطيت عليها وبصوت ثابت قلت لها تتجوزيني؟.

البنت اتصدمت وفضلت بصالي بصدمة وقلق وفاكرة إني بتريق عليها.

ابتسمت وقلت لها متخافيش، أنا بتكلم بجد.. هتجوزك، وأخدك تعيشي معايا في بيت كبير ومرتاح.

استغربت جداً وقالت حضرتك تتجوزني أنا يا بيه؟! إيه جاب لجاب؟!

ما فكرتش ثانية واحدة، ولا اهتميت هي مين أو شكلها إيه. كل اللي كان شاغلني ساعتها هو نظرات الصدمة والغضب اللي هشوفها في عيون أهلي، وعايز أحرق قلبهم زي ما حرقوا قلبي. قلت لها قومي معايا، متقلقيش من حاجة خالص.

أخدتها على أول مأذون قابلناه في سكتنا، وجبت اتنين شباب من الشارع يشهدوا على العقد. كتبت الكتاب وأنا حتى مش باصص في وشها، ولا طلبت أقرأ بطاقتها أو أعرف حتى اسمها إيه. كل همي هو الانتقام وبس.

ركبت معايا العربية، وسوقنا لحد البيت. دخلت من الباب وماسك إيدها بقوة.

أهلي كانوا قاعدين وأول ما شافونا، أبويا وقف متسمر في مكانه من الصدمة، وأمي اللي كانت بتشرب قهوة، اترشقت من بقها من شدة الذهول، وفضلوا باصين للبنت بنظرات رعب غريبة وعميقة!

ساعتها اتكلمت وقلت لهم بسخرية سعاد… البنت اللي كنت عايز أخطبها، اتخطبت لغيري.. وعشان كده، قولت أكافئكم.. اتجوزت البنت دي من على أول إشارة، عشان أقولكم شكراً على كل اللي عملتوه فيا وفي حياتي!.

أبويا بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت ميت ومرعوب انت… انت اتجننت بجد؟! عملت إيه يا غبي؟!

وأمي انهارت من العياط، وقالت بصوت كله رعب وانهيار غير طبيعي انت… أنت متعرفش المصيبة الكبيرة اللي عملتها في نفسك؟! انت… أنت شوفت البنت دي الأول؟! عرفت هي مين أصلاً؟!

استغربت جداً….كنت مستني أشوف في عيونهم الغضب والعصبية، مش الرعب والهلع المبالغ فيه ده كله! إيه اللي ممكن يخوفهم من متسولة لقيتها تحت الكوبري؟!

قربت من البنت وسألتها بتوتر انتي.. انتي تعرفيهم؟ بيبصولك كده ليه؟.

البنت فضلت ساكتة تماماً زي الميتة، ما نطقتش بحرف واحد.

وقتها، مع عياط أمي اللي اتهدت تماماً ومبقّتش قادرة حتى تزعق زي عادتها، قلبي اتقبض. ومديت إيدي بسرعة ورفعت النقاب من على وشها…

وهنا… كانت صدمة عمري… رجعت لورا خطوات بصدمة حقيقية وأنا مش مصدق اللي شايفاه عيوني!

أول ما شلت النقاب من على وشها، حسيت إن قلبي وقف مكانه، ورجعت لورا وأنا بقول بعدم تصديق إنتي؟! إنتي إزاي؟! إنتي مين بالظبط؟!

البنت اللي كانت تحت النقاب كانت أقرب صديقة لسعاد خطيبتي الأولى واتفاجأت لأنها ما كانتش متسولة أبدا، إيه وصلها للحالة دي؟!

البنت بصتلي ودموعها بتنزل على خدودها، وبعدها بصت لأمي وقالت بصوت مخنوق كنت فاكرة إنك هتفضلي مخبية الحقيقة لحد آخر يوم في عمرك يا طنط، بس الظاهر إن ربنا أراد إن كل حاجة تظهر النهارده.

أمي كانت بتترعش، وأبويا قرب منها بسرعة وقال اسكتي يا بنتي، والنبي اسكتي! إحنا ممكن نحل كل حاجة، بس مش بالطريقة دي!

بصيت لأبويا وأنا مش فاهم حاجة وصرخت تحلوا إيه؟! وإنتوا تعرفوا البنت دي منين؟! وليه أمي أول ما شافتها كانت هتموت من الخوف؟!

أمي رفعت عينيها ليا، وبعدها بصت للبنت وقالت دي مش متسولة يا أحمد… دي…دي!

سكتت والبنت ابتسمت ابتسامة موجوعة وقالت اقولك أنا يا أحمد… أنا اسمي الحقيقي مريم، وبنت الراجل اللي أمك وأبوك دفنوه عايش عشان يلهفوا حقه.

أنا اتجمدت مكاني لما قالت كده ومريم كملت وقالت أبويا اسمه محمود الشناوي. كان شريك أبوك في أكبر مشروع دخلوا فيه سوا، لكن أبوك قرر ياخد كل حاجة لنفسه، وأمي ساعدته!

بصيت لأمي بذهول، لقيتها انهارت على الكنبة وهي بتقول كنت صغيرة يا أحمد، وغلطت، بس والله ما كنت أعرف إن الموضوع هيوصل لكده!

أبويا زعق فيها اخرسي يا سلوى! إنتي مالكيش دعوة بالكلام ده!

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى