
كان شتاء عام 1993 قد حلّ مبكرًا على مقاطعة ميلبروك بولاية إنديانا. كانت الصباحات تبدأ بطبقةٍ من الصقيع تُحدث قَرقعةً في الحقول عند أول خطوة، وكانت الليالي تجعل الصمت كثيفًا إلى حدٍّ كأنه يبتلع أي صوتٍ بشري. وفي قلب تلك كانت ترتفع مزرعة آل برينان: بيتٌ خشبيّ قديم مطليّ بالأبيض، معزول، تحيط به هكتاراتٌ من الأراضي الزراعية تفصله عن بقية العالم. بالنسبة إلى كثيرين كان ذلك العزلُ يعني الطمأنينة. وبالنسبة إلى آخرين، ومع مرور الوقت، كان سيتحوّل إلى شيءٍ أشدّ إقلاقًا.
كانت فيفيان برينان في العاشرة من عمرها حين فُقد أثرها في ظروفٍ غامضة. طفلةٌ فضولية، شعرها بنيّ فاتح، وضحكتها تقول أمّها إنها كانت تُسمَع من . أما توأمها ناتالي فكانت أكثر تحفظًا، أكثر مراقبةً. ومع أنهما كانتا تتشاركان الوجه نفسه، فإن من عرفهما كان يميّزهما بسهولةٍ من طباعهما: فيفيان هي التي تتكلم أولًا. وناتالي هي التي تفكر قبل أن تفعل.
-
احنا مطلبناشمنذ 5 أيام
-
بعد 22 سنهمنذ 5 أيام
-
في مزرعة بعيدةمنذ أسبوع واحد
-
مكالمة ابني حكايات زهرةمنذ أسبوعين
كانت الاثنتان تنامان في الغرفة نفسها، في نهاية ممرّ الطابق الثاني. منفصلان بينهما منضدةٌ صغيرة، وسجادةٌ بالية في الوسط، ومدفأةٌ قديمة بالكاد تُبقي البرد بعيدًا. وكانت النافذة تُطل على الحقول الخلفية، حيث انعكس القمر تلك الليلة على الصقيع كأنه مرآةٌ مكسورة.
في ليلة الرابع عشر من يناير لم تقع مشاجرات، ولا سُمعت أصواتٌ غريبة، ولا ظهرت إشاراتٌ توحي بأن شيئًا على وشك أن يكسر روتين الأسرة. أمّ الطفلتين، إيلين برينان، غطّتهما كما تفعل دائمًا وأطفأت الضوء عند التاسعة تمامًا. والأب، مايكل، أغلق الباب الرئيس بمفتاحين قبل أن يخلد إلى النوم. لم يبقَ شيءٌ خارج مكانه.
كانت ناتالي ستتذكر بعد سنواتٍ أنها استيقظت لبرهةٍ أثناء الليل. لم يكن بسبب ضجيجٍ عالٍ، بل بسبب إحساسٍ غريب، كأن شيئًا ما قد تغيّر في الغرفة. بدا الهواء مختلفًا، أبرد. أدارت رأسها نحو سرير أختها وتمتمت باسمها وهي نصف نائمة، وحين لم تتلقَّ جوابًا عادت فأغمضت عينيها. لم يخطر ببالها قط أن تلك ستكون آخر لحظةٍ تكون فيها فيفيان حيّةً إلى جوارها.
في صباح اليوم التالي صعدت إيلين الدرج لتوقظ الطفلتين للمدرسة. وجدت ناتالي مشغولًا، والملاءات من نومٍ قلق. أما فيفيان فكان مرتبًا تمامًا، كأن أحدًا لم ينم فيه. في البداية ظنّت أن الطفلة نهضت باكرًا لتلعب أو لتساعد أباها. لكن بعد أن جالت في البيت والحظيرة، بدأ الصمت يثقل.
لم تكن فيفيان هناك.
لم تكن ثمة علاماتُ عراك. ولا نافذةٌ مكسورة. ولا بابٌ مُقتحم. كانت حذاء فيفيان ما يزال إلى جوار المدخل. ومعطفها معلّقًا على المشجب. كان الشتاء في ذروته، ودرجات الحرارة تحت الصفر، ولا يمكن أنها خرجت طوعًا دون حماية. اندفع مايكل إلى الحقول شبه راكض، يبحث عن آثار أقدامٍ على الصقيع الطري.
لم يجد شيئًا. كانت الأرض سليمةً كما هي، كأن أحدًا لم يعبرها طوال الليل.
عند السابعة والنصف صباحًا اتصلوا بالشريف.
كان توماس غرايسون قد أمضى خمس سنواتٍ فقط في منصبه حين تلقّى المكالمة. وكان سيتذكر تلك القضية بقية حياته المهنية. منذ اللحظة الأولى بدا له أن شيئًا لا يستقيم. ففي حالات غياب الأطفال المفاجئ، غالبًا ما يبقى أثرٌ ما: بصمة قدم، أو شيءٌ خارج موضعه، أو بابٌ لم يُحكم إغلاقه. أما في مزرعة آل برينان فلم يكن هناك شيء. كان الأمر كما لو أن أثر فيفيان قد انقطع تمامًا.
في الأيام التالية جال المتطوعون ورجال الأمن على كل مترٍ من الأرض في محيط كيلومتراتٍ عديدة. فُتشت الآبار، والحظائر المهجورة، والجداول المتجمدة. وجُلبت كلابُ التتبع، لكنها بدت هي الأخرى مرتبكة. كانت رائحة فيفيان تنقطع داخل البيت. لا تقود إلى نقطةٍ بعينها.
استُجوبت ناتالي مراتٍ عدة. وكانت تقول في كل مرة الشيء نفسه: لقد كانت نائمة. لم تسمع صراخًا. لم ترَ أحدًا. وخلص علماء النفس إلى أنها لا تكذب. كانت طفلةً ، لا شاهدةً تُخفي معلومات.
ومع مرور الأسابيع بدأت القضية تبرد. نفدت الخيوط. وبدأت الشائعات تدور في المقاطعة الصغيرة. رجّح بعضهم أن غيابها ارتبط بظروفٍ خارج ما كان متوقعًا. ولمّح آخرون إلى أن أحدًا داخل الأسرة يعرف أكثر مما يقول. وصارت إيلين ومايكل برينان موضع مراقبةٍ وتحليلٍ وحكمٍ صامت من مجتمعٍ لا يفهم كيف يمكن لطفلة أن يغيب أثرها بلا أي دليل واضح.
كبرت ناتالي وهي تحمل ذلك الغياب كظلٍّ دائم. لسنواتٍ نامت والضوء مضاء. كانت ترى في أحلامها خطواتٍ في الممر، وتسمع صرير لوحٍ خشبي. كانت تحلم بأختها تناديها باسمها من مكانٍ ما في البيت. وكلما استيقظت ذكّرها الصمت بأن فيفيان ليست هنا.








