عام

بيت امي الاخيرة

عدت الشهور، والوقت اللي كان بيمر عليا في الأول زي ، بدأ يداوي واحدة واحدة. نزلت من قوقعتي وقررت إن الحياة مش هتقف عند محطة إنسان ماعرفش قيمتي. رجعت لشغلي، وركزت كل طاقتي ومجهودي فيه، وبقيت بملى يومي بحاجات بحبها.. بالقراءة، بالخروج مع أهلي، وبترتيب أولوياتي من جديد.
اكتشفت في الفترة دي إن الوجع بيقوّي، وإن الكسرة اللي كنت فاكراها النهاية، كانت مجرد نقطة ومن أول السطر عشان

أعيش لنفسي وللناس اللي بجد بيحبوني وصاينيني.
وفي يوم، كنت ماشية في مكان عام بخلص مشوار تبع الشغل، ولمحت من بعيد ملامح عارفاها كويس.. كان أحمد.
خطواتي هديت تلقائيًا وأنا ببص عليه. كان واقف مع نادين. بس الغريبة إن مكانش فيه أي حاجة من “الحب الأسطوري” اللي هدم بيته علشانه. كانوا واقفين بصوت عالي، ملامحه كانت متوترة وعينه مليانة زهق وضيق، وهي كانت بتتكلم بنبرة حادة وبتشوح بإيدها، مفيش أي أثر للراحة أو السعادة اللي كان فاكر إنه هيلاقيها معاها.

مقالات ذات صلة

وقفت في مكاني لثواني، وبصيتالهم ببرود تام. حسيت فجأة بس*كينة غريبة بتملى قلبي، وعرفُت إن ربنا جاب لي حقي من غير ما أعمل حاجة. أحمد كان فاكر إنه لما يرجع للماضي هيعيش الجنة اللي ، ونسي إن الماضي لما بنحاول نعيشه بالعافية وعلى حساب أذية ناس تانية. هو ملقاش الحب، هو بس لقى وهم كان عليه، ولما بقا في إيده،

اِكتشف الحقيقة.
لفيت وشي ومشيت بخطوات ثابتة وسريعة، والابتسامة مرسومة على وشي. مفيش جوايا أي شماتة، بس جوايا راحة ويقين إن الدايرة دارت، وإن اللي يبيع الأمان الصادق عشان أوهام، مابيلقاش في الآخر غير السراب.
سبتهم ورايا وكملت طريقي للمستقبل اللي ببنيه بإيدي، وأنا راضية ومطمنة، وممتنة لكل درس خلاني أبقى “أسماء” القوية بتاعت انهارده.

بعد سنة كاملة من اليوم اللي حياتي فيه اتقلبت، كنت واقفة في المطبخ عند أمي، بنجهز سوا غدا يوم الجمعة والبيت مليان بدفا العيلة ولمتهم. الجرس رن، أمي مسحت إيدها في المريلة وقالت: “خليكي يا أسماء هفتح أنا، تلاقيه أبوكي رجع من الصلاة.”
ثواني وسِمعت صوت حركة أمي وقفت عند الباب، وبعدها ساد سكات غريب ومقلق. طلعت من المطبخ وأنا بنشف إيدي، وبمجرد ما وصلت الصالة، رجلي اتسمرت في الأرض.
الراجل اللي واقف عند الباب مكانش أبويا.. كان أحمد.

بس مكانش أحمد اللي أنا عارفااه، ولا أحمد اللي قفل في وشي السكة بكل جبروت وبرود. كان واقف وشّه باهت، خسيس، هدومه مش بنفس الترتيب اللي كان زمان، وعينه مطفية وفيها كسرة وعجز عمري ما شفتهم فيه. أول ما عينه جت في عيني، خطى خطوة لجوه خطوة مهزوزة كأنه شايل جبال على كتافه.
أمي وقفت في النص بيني وبينه، وملامحها اتملت قسوة وقالت بصوت حاد:
ـ إنت إيه اللي جابك هنا تاني يا أحمد؟ مابقاش ليك مكان ولا حق تعتب عتبة البيت ده! اِطلع بره قبل ما عمك ييجي من الصلاة وتشوف أيام مش هتعجبك!

أحمد مابصش لأمي، كان باصص لي أنا.. نظرة رجاء وتوسل خلتني أحس بقوتي لأول مرة قدامه. اتكلم بصوت حشرج ومبحوح:
بصيت لأمي وهزيت راسي بهدوء، طمنتها إني قادرة أواجهه ومبقاش يفرق معايا. أمي بقيت تبص له بقرف ودخلت الأوضة جوه وسابت بابها موارب.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى