قصص و روايات

بعد أربع بنات

لم يتحرك أحد.

حتى أنا لم أستطع الكلام.

مقالات ذات صلة

قال مدحت

إنت أخويا إزاي؟

قال كريم

أخوك من أبوك.

جلس مدحت ببطء.

من إمتى وإنت عارف؟

قال كريم

من وأنا عندي سبعتاشر سنة.

ظل مدحت ينظر إليه.

وليه ما قلتليش؟

قال كريم

لأن أبويا هو اللي طلب مني ما أقولكش.

مدحت رفع عينيه إليه.

ليه؟

قال كريم

أبويا كان متجوز أمي قبل ما يتجوز أمك. أنا ابنه من الجواز الأول. بعد ما حصل الانفصال، عشت مع أمي. وبعدها أبوك اتجوز أمك، وأنت اتولدت.

سكت لحظة.

ثم قال

لما بلغت سبعتاشر سنة، أبويا قعد معايا وقال لي الحقيقة. طلب مني ما أقولكش، وقال إنه مش عايز يفتح مشاكل قديمة، ولا يخليك تحس إن في حاجة اتخبت عليك طول عمرك.

مدحت قال

وإنت وافقت؟

هز كريم رأسه.

كنت صغير. وكنت خايف أخسر أبويا وأخسرك في نفس الوقت.

قال مدحت

طيب ليه فضلت قريب مني؟

ابتسم كريم ابتسامة حزينة.

عشان إنت أخويا، حتى لو إنت ما كنتش تعرف.

سكت.

ثم أضاف

من يوم ما اتعرفت عليك في المدرسة، وأنا كنت عارف إنك أخويا. بس بالنسبة لك، كنت صاحبك.

مدحت وضع يده على رأسه.

وأبويا؟

قال كريم

كان عنده نفس العلامة اللي عندي. وقال لي إنها موجودة في العيلة.

نظرت إلى مدحت.

بدأت الصورة كلها تتجمع أمامي.

العلامة التي أخافته

كانت فعلًا علامة عائلية.

لكن ليس بالطريقة التي ظنها.

قال مدحت بصوت ضعيف

وليه فضلت ساكت حتى بعد ما مات؟

خفض كريم عينيه.

لأني كنت خايف.

من إيه؟

من إنك تكرهني.

ثم رفع عينيه إليه.

كنت خايف تقول إني عشت جنبك كل السنين دي وأنا بخدعك، وإن صداقتنا كلها كانت مبنية على سر.

سكت لحظة.

وقال

لكن عمري ما دخلت بيتك عشان حاجة غير إنك أخويا وصاحبي.

مدحت لم يرد.

ثم قال

وفي يوم جنازة أبويا

توقف.

فأكمل كريم

كنت واقف بعيد.

نظر إليه مدحت.

قال كريم

الراجل اللي كنت بتدفنه كان أبويا أنا كمان. لكن ما كانش مسموح لي أقول ده.

ساد الصمت.

لأول مرة، رأيت الصدمة الحقيقية على وجه مدحت.

لم تكن صدمة رجل اكتشف أن صديقه أخوه فقط.

كانت صدمة رجل أدرك أنه ظلم زوجته بسبب حقيقة عائلية لم يكن يعرفها أصلًا.

نظر إليّ.

ندى

قلت

أنا فهمت.

قال

أنا كنت غلطان.

قلت

أيوه.

خفض رأسه.

وأنا مستعد أصلح كل حاجة.

قلت

الحقيقة اتصلحت.

رفع عينيه.

قلت

لكن اللي حصل بينا لسه موجود.

في اليوم التالي، عاد مدحت إلى بيت داليا.

فتحت له الباب.

وقف أمامي ولم يدخل.

قال

ندى، أنا غلطت في كل حاجة. ومستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح اللي حصل.

بصيت إلى ابني، كان نايمًا في سريره الصغير.

ثم نظرت إليه.

إنت عارف إيه اللي وجعني أكتر من اتهامك؟

قال

إيه؟

قلت

إنك كنت تعرفني من ثماني سنين. عشت معايا، وشفتني في أربع ولادات، وشفت تعبي في الحمل الخامس، وعارف أنا مين ومع ذلك، علامة واحدة خلتك تشوفني كأني واحدة غريبة عنك.

لم يرد.

قلت

كلامي أنا ما كانش كفاية بالنسبة لك. احتجت تحليل عشان تصدقني.

قال

كنت منفعل ومش بفكر.

قلت

وأنا كنت لسه والدة ابننا. كنت محتاجة جوزي يقف جنبي، مش حد يحاكمني ويتهمني.

نزل عينه.

أنا آسف.

قلت

أنا كمان محتاجة أعترف بحاجة.

رفع عينيه.

قلت

أنا فضلت سنين أتنازل عن حاجات كتير عشان أحافظ على رضاك. كنت بحب بناتي، وكنت أتمنى يكون عندنا طفل، لكن بعد أربع ولادات كنت محتاجة راحة. ومع ذلك، كل مرة كنت أشوف قد إيه نفسك في ولد، كنت أؤجل خوفي وتعبی.

سكت.

ثم قلت

كنت فاكرة

متابعة القراءة

3

بعد أربع بنات

إن الحفاظ على البيت معناه إني أستحمل أي حاجة عشان البيت يفضل واقف.

قال

ندى

قاطعته بهدوء

لكن اللي حصل في المستشفى خلاني أفهم إن البيت اللي محتاج مني أتنازل عن كرامتي وثقتي في نفسي عشان يفضل واقف، محتاج يتبني من جديد.

لم يعرف ماذا يقول.

قال بعد لحظات

ممكن أشوف ابني؟

نظرت إليه.

ده ابنك. ومش همنعك من حقك كأب.

دخل بخطوات بطيئة.

وقف بجوار السرير.

ظل ينظر إلى الطفل طويلًا.

ثم مد يده ولمس أصابعه الصغيرة.

تحرك

الطفل في نومه وأمسك بإصبع أبيه.

ارتعشت يد مدحت.

وعيناه امتلأتا بالدموع.

لكنني لم أتحرك نحوه.

ليس لأنني أكرهه.

وليس لأنني أريد الانتقام منه.

لكن لأن الاعتذار لا يمحو لحظة الاتهام.

والتحليل أثبت أن الطفل ابنه

لكنه لم يُصلح وحده الثقة التي انكسرت بيننا.

قال مدحت

هستناك.

قلت

ما تستناش إني أرجع بسرعة.

هز رأسه.

هستنى قد ما تحتاجي.

قلت

لو عايز تصلح اللي حصل، مش بالكلام.

نظر إليّ.

أمال بإيه؟

قلت

بالوقت. وبالثقة.

وبإنك تتعلم إن أول تفسير يخطر في بالك مش دايمًا الحقيقة.

سكت.

ثم حمل ابنه للمرة الأولى منذ يوم الولادة.

هذه المرة، لم يكن وجهه يحمل شكًا.

كان يحمل ندمًا.

وأنا وقفت بعيدًا أنظر إليهما.

فقد كنت أعرف أن الطفل لم يكن سبب المشكلة.

والعلامة لم تكن دليل خيانة.

بل كانت دليلًا على قرابة عائلية أخفاها رجل لسنوات، فانفجرت الحقيقة في أسوأ لحظة ممكنة.

أما أنا

فلم أعد مستعدة لأن أقضي بقية حياتي أثبت براءتي كلما خاف

مدحت أو شك.

ربما نعود.

وربما لا.

لكن إن عدنا يومًا، فلن تكون العودة لأن تحليل ال أثبت أنني كنت صادقة.

ستكون لأن مدحت تعلّم أن يصدق المرأة التي اختارها شريكة لحياته، وأن يسأل قبل أن يتهم، وأن يفهم قبل أن يحكم.

وضممت ابني إلى صدري عندما أعاده إليّ.

في تلك اللحظة، لم أفكر في العلامة الموجودة على ظهره.

ولا في كلام مدحت.

ولا في السر الذي كشفته.

كنت أفكر فقط في أولادي

وفي نفسي

وفي أنني أخيرًا فهمت شيئًا تأخرت سنوات في فهمه

الحفاظ على البيت لا يعني أن أضيع نفسي داخله.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى