
رجعت مصر وأنا شايلة هدايا كتير لعلاء والبنات وماما.
وأول ما وصلت، حكيت لعلاء عن كلام الأطباء.
فرح جدًا، وقال:
“يبقى لازم نكمل المبلغ ونشوف الحل ده.”
رجعت لشغلي.
وعدت كام يوم، وكل شيء كان طبيعي.
لحد يوم اتصلت بعلاء.
تليفونه كان مشغول.
استنيت شوية واتصلت تاني.
لسه مشغول.
اتصلت مرة ثالثة…
ورابعة…
وكان الخط مشغول كل مرة.
بدأت أقلق.
وفي طريقي للبيت، قررت أعدي على الشركة.
دخلت وسألت عن علاء.
فوجئت بموظف هناك بيقول لي:
“إزاي يا مدام؟ الأستاذ علاء بيتكلم مع حضرتك طول النهار تقريبًا!”
وقفت مكاني.
قلت له:
“معايا أنا؟”
قال:
“أيوه… مش حضرتك اللي بيكلمها طول الوقت؟”
حسيت إن الكلام نزل عليّ كالصاعقة.
طول النهار؟
طيب مين اللي كان بيكلمه؟
بدأت الأفكار تدور في دماغي.
هل ممكن يكون فيه حد تاني في حياته؟
لا…
مستحيل.
بعد كل السنين دي؟
بعد كل اللي عملته علشانه؟
أنا وقفت جنبه وقت أصعب أيامه.
اشتغلت.
وصرفت.
وبنيت له مشروع من فلوسي.
وكتبت الشركة باسمه.
واشتريت له عربية باسمه.
وكنت بحاول أعوضه عن كل اللي خسره.
فهل في النهاية يكون ده جزائي؟
رجعت البيت وأنا مشوشة جدًا.
لكن قبل ما أظلمه، قلت لنفسي:
“استني.”
يمكن الموظف يقصد حاجة تانية.
يمكن فيه سبب أنا مش عارفاه.
لازم أتأكد الأول.
طلعت البيت، وحاولت أتصرف بشكل طبيعي.
لقيت علاء قاعد كأنه مفيش أي حاجة حصلت.
ابتسم لي وقال:
“اتأخرتي النهارده.”
ابتسمت له رغم إن قلبي كان مليان أسئلة.
وقلت:
“الشغل كان كتير.”
لكنه لم يعرف أنني في تلك اللحظة كنت أراقب كل حركة منه.
وأن سؤالًا واحدًا كان يطاردني:
**مين الشخص اللي كان علاء بيتكلم معاه طول الوقت؟**
وقررت ألا أسأله مباشرة.
كنت عايزة أعرف الحقيقة بنفسي…
وفي اليوم التالي، بدأت أبحث بهدوء.
لكن أول شيء اكتشفته جعلني أشك إن الموضوع أكبر بكتير مما كنت متخيلة.
**يتبع…**
# رواية قبل القرار بدقائق
**للكاتب عادل عبد الله**
**الحلقة الأولى**
كانت عقارب الساعة تشير إلى الخامسة صباحًا، عندما جاء حارس السجن وفتح باب الزنزانة ونادى عليها.
استيقظت أحلام مفزوعة على صوته وسط سكون المكان، وقالت بصوت مرتجف:
“إيه يا حضرة الصول؟ دلوقتي خلاص؟”
أشار إليها بالإيجاب.
قالت وهي تبكي:
“من ساعة ما لبست البدلة الحمرا وأنا كل ليلة بقوم من النوم مڤزوعة من اللحظة دي.”
قال لها:
“يلا، مأمور السجن مستنيكي تحت.”
ترددت قليلًا ثم قالت:
“طيب ممكن أتوضأ وأصلي؟”
رد:
“هننزل تحت الأول، والمأمور هيسمحلك تصلي وتطلبي كل اللي نفسك فيه.”
أمسك الحارس بيدها، وكان جسدها يرتجف بشدة وهي تردد:
“أنا مظلومة… أنا مظلومة… هما السبب… والله هما السبب.”
دخلت أحلام غرفة هادئة، وأدت صلاتها بخشوع، ثم جلست أمام المأمور.
سألها:
“عاوزة حاجة قبل ما نبدأ الإجراءات؟”
قالت:
“عاوزاكم تسمعوني وتعرفوا اللي حصل. عاوزة أقول حكايتي بصوتي.”
رد:
“إحنا عارفين قصتك.”
قالت:
“يبقى ليا طلب واحد بس… سجلوا صوتي. عشان لو ماقدرتش أحكي بعد النهارده، يفضل صوتي موجود ويحكي حكايتي للناس.”
وبعد إصرار طويل منها، وافق المأمور، وبدأ أحد رجال الشرطة في تسجيل حديثها.
قالت أحلام:
“اتخطبت واتجوزت، ومحدش من أهلي رجع يحضر فرحي.
علاء كان شخص طيب جدًا، وكان بيحبني وبيغير عليا بدرجة كبيرة، لدرجة إنه رفض إني أشتغل.
قعدت في البيت، وبعد سنة من جوازنا ربنا رزقنا ببنتين توأم، ريتاج وريماس.
كانت حياتنا هادئة، وعلاء كان بيحاول يوفر لي كل حاجة قبل حتى ما أطلبها.
كان بيقضي وقت طويل في شغله، وكنت بروح عند ماما أقضي معاها جزء من اليوم، وأرجع أجهز البيت قبل ما يرجع علاء.
من شدة حبي له كنت دايمًا أحكي لماما عنه، وعن معاملته ليا، وكانت بتفرح لسعادتي وتحكيلي عن بابا الله يرحمه وحبه ليها.
قعدنا حوالي أربع سنين في هدوء، والمشاكل بيننا كانت عادية جدًا.
لحد ما في يوم جالي اتصال من رقم غريب.
كنت مش متعودة أرد على أرقام غريبة، لكن الرقم فضل يرن كتير.
وأخيرًا رديت.
لقيت صوت واحدة بتقول:
‘حضرتك زوجة الأستاذ علاء؟’
قولتلها:
‘أيوه، حضرتك مين؟’
قالت:
‘الأستاذ علاء تعرض لحادث، وهو دلوقتي في الرعاية المركزة.’
التليفون وقع من إيدي، وجريت على المستشفى.
اتصلت بماما في الطريق، وجت ورايا.
كانت حالته صعبة جدًا، وقضينا ساعات طويلة في انتظار الاطمئنان عليه.
كنت باخد بناتي وأقعد أبكي، وأنا مش عارفة هعمل إيه لو علاء ماقدرش يرجع لحياته الطبيعية.
هو كان حب عمري، وعمري ما تخيلت حياتي من غيره.
ماما فضلت واقفة جنبي لحد ما ربنا كتب له النجاة، لكن الأطباء أكدوا إن إصاباته هتحتاج علاج طويل، وإن رجله ممكن تفضل متأثرة لفترة كبيرة.
كانت صدمة غيرت حياتنا بالكامل.
فضلت معاه في المستشفى، أحاول أهون عليه وأساعده، لكن مع الوقت بدأت مصاريف العلاج تضغط علينا.
كان لازم أشتغل.
جلست مع علاء وقلت له:
‘أنا لازم أشتغل لحد ما تتحسن.’
كان قبل كده دايمًا يقول لي:
‘إنتِ يا حبيبتي بسكوتاية، وأنا مش عاوزك تتعبي نفسك في الشغل.’
لكنه وافق بسبب الظروف.
بدأت أقدم في شركات مختلفة، ولحسن الحظ اتقبلت في شركة كبيرة بمرتب ممتاز.
كنت بترك البنات عند ماما الصبح، وأروح شغلي، وبعدها أرجع آخدهم.
في البداية كان علاء دايمًا يسألني:
‘حد ضايقك في الشغل؟’
وكنت أطمنه وأقول له إن كل الناس محترمة.
لكن من أول يوم بدأت ألاحظ اهتمام المدير بيا.
في البداية كانت مجرد نظرات، وبعد فترة بدأت تظهر بعض التصرفات اللي ضايقتني.
كنت خايفة أخد موقف قوي وأخسر شغلي، خصوصًا إن المرتب كان مهم جدًا لعلاجي وعلاجي علاء.”
**الحلقة الثانية**
استمرت مضايقات المدير فترة، وكان يطلبني في مكتبه بحجة الشغل، ويحاول يطول الكلام معي.
في البداية كنت أحاول أنهي الكلام بسرعة، لكن في يوم تجاوز حدوده في الكلام، فاضطريت أوقفه عند حده.
كنت متوقعة إنه يغضب أو يطلب مني أترك الشغل، لكنه اعتذر وقال إنه لم يقصد الإساءة.
بعدها تغير أسلوبه تمامًا، وأصبح يتعامل معي باحترام.
حمدت ربنا إن الموقف انتهى بدون مشاكل.
مرت الشهور، وتحسنت حياتنا تدريجيًا.
كنت بشتغل وأتابع علاج علاء، وأهتم ببناتي، وأحاول أوفر لهم أفضل حياة ممكنة.
وبعد فترة طويلة خرج علاء من المستشفى، لكنه ظل بحاجة إلى علاج وتأهيل.
استمررت في عملي، وكان راتبي يزيد عامًا بعد عام.
اشتريت عربية، وجددت البيت، ودخلت بناتي مدارس أفضل.
كنت أظن أنني بذلك أبني مستقبلنا.
لكن مع مرور الوقت بدأت ألاحظ شيئًا يؤلمني.
بناتي تعلقوا بماما بشكل كبير، لأنهم كانوا يقضون معها معظم وقتهم.
كنت أرجع من الشغل متعبة، وأحيانًا أجدهم قد ناموا عند جدتهم.
وبدأت أشعر أن هناك مسافة تكبر بيني وبينهم.
حاولت أقترب منهم، لكن الفجوة كانت قد أصبحت واضحة.
ذات ليلة قلت لعلاء:
‘أنا حاسة إن بناتي بقوا بعيد عني.’
ضحك وحاول يطمني:
‘إنتِ مكبرة الموضوع. هما متعلقين بماما لأنها بتقعد معاهم، لكن عمرهم ما هيحبوا حد أكتر منك.’
بعد فترة جاءت لي فرصة سفر إلى أوروبا لإنهاء بعض أعمال الشركة.
طلبت من علاء أن يسافر معي، ليستفيد من الرحلة ويعرض حالته على أطباء هناك، لكنه اعتذر بسبب عمله الجديد.
سافرت مع ماجد، المدير المالي للشركة.
كان رجلًا محترمًا في التعامل، وخلال الرحلة تحدثنا كثيرًا.
حكيت له عن مشكلتي مع بناتي.
فوجئت به يقول:
‘يمكن الحل إنك تنفصلي وتبدئي حياة جديدة.’
ثم صارحني بأنه معجب بي منذ فترة، وأنه كان يتجنب الحديث في هذا الأمر لأنه يعرف أنني متزوجة.
رفضت كلامه وقلت له بوضوح:
‘أنا بحب جوزي، ومش بفكر أسيبه.’
عرضت تقارير علاء الطبية على أطباء هناك، وعرفت أن علاجه ممكن، لكنه يحتاج إلى تكاليف كبيرة.
عدت إلى مصر، وأخبرت علاء بكل شيء.
مرت الأيام بشكل طبيعي، حتى جاء اليوم الذي تغيرت فيه حياتي.
اتصلت بعلاء أكثر من مرة، لكن هاتفه كان مشغولًا.
عندما ذهبت إلى الشركة، سألت أحد الموظفين عنه.
فقال لي:
‘إزاي؟ ده الأستاذ علاء بيفضل يتكلم مع حضرتك طول اليوم!’
تجمدت مكاني.
قلت لنفسي:
‘هو بيتكلم مع مين كل الوقت ده؟’
حاولت أهدأ وأقنع نفسي إن هناك تفسيرًا آخر.
لكن الشك بدأ يكبر بداخلي.”
**الحلقة الثالثة**
عدت إلى البيت وحاولت أتصرف بشكل طبيعي.
تناولنا العشاء، وسألته:
“أنا اتصلت عليك كتير النهارده، تليفونك كان مشغول.”
ابتسم وقال:
“كنت بتكلم مع عميل في الشركة.”




