
في الثاني والعشرين من ديسمبر عام 2014، شهدت موريتانيا حادثة أليمة ومحزنة راح ضحيتها طفلة بريئة تبلغ من العمر عشر سنوات تُدعى زينب كابر بنت عبد الله. كانت زينب طفلة هادئة، عُرفت بين أهلها وجيرانها بالتفوق الدراسي والأخلاق العالية، حيث كانت تقضي أوقاتها في حفظ القرآن الكريم ومساعدة والدتها في رعاية شقيقاتها الصغيرات، بينما كان والدها عبد الله معروفاً بحسن السيرة وطيب المعاملة بين أهالي المنطقة.
في ذلك اليوم المشهود، خرجت زينب من منزلها متجهة كعادتيها إلى المسجد لحضور درسها الديني المعتاد، ولم تكن تعلم أن الطريق المألوف الذي تسلكه كل يوم سيتحول فجأة إلى رحلة أخيرة في حياتها القصيرة. وأثناء مرورها بالقرب من مبنى مدرسة قديمة ومهجورة، صادفت في طريقها ثلاثة شبان من أبناء المنطقة، والذين تصرفوا بطريقة طائشة، حيث اقترب اثنان منهم من الطفلة البريئة وقاما بسحبها بالقوة إلى داخل المبنى المعتم.
ومنذ تلك اللحظة المفجعة، بدأت فصول مأساة لا يمكن تخيلها ولا احتمال قسوتها. وفي خضم هذا الرعب، شجعت الطفلة نفسها وقالت للجناة ببراءة إنها ستخبر معلمها وأهلها بكل ما حدث. كانت تلك الكلمات الصادقة والبريئة سبباً مباشراً في زيادة هلع الجناة وخوفهم الشديد من افتضاح أمرهم وضياع مستقبلهم، مما دفعهم إلى اتخاذ قرار إجرامي قاسي لإسكاتها للأبد.
وبعد فترة قصيرة من وقوع الجريمة، فر الجناة هاربين من المكان، بينما خرجت زينب وهي تعاني من صدمة بالغة وحالة صحية ونفسية صعبة للغاية. في تلك الأثناء، انتبه عدد من المارة والأشخاص الموجودين بالقرب من موقع المدرسة إلى ما يحدث، فسارعوا دون تردد لتقديم المساعدة المطلوبة وطلب النجدة والإسعاف.
وصل الخبر المفجع إلى والدها المكلوم، الذي أسرع بكل ما أوتي من قوة إلى المكان، وهناك عاش واحدة من أصعب وأقسى اللحظات التي يمكن أن يمر بها أب في حياته. حاول الأب الحنون أن يطمئن ابنته المرتجفة ويسألها بلطف عما حدث معها، فتمكنت قبل أن تفقد وعيها تماماً من الإشارة إلى تفاصيل الجريمة وما تعرضت له على يد هؤلاء الشبان.
أحدثت هذه الجريمة النكراء صدمة واسعة النطاق في المجتمع الموريتاني، وتحولت القضية بسرعة إلى رأي عام يهز ضمائر الجميع، بينما تصاعدت المطالب الشعبية والحقوقية العاجلة للوصول إلى الجناة الحقيقيين وتحقيق العدالة الناجزة. وفي إطار الجهود الأمنية المكثفة، وأثناء فحص المنطقة المحيطة بمكان الحادث بدقة، لاحظ المحققون وجود متجر قريب من المدرسة، وبعد تحقيقات موسعة مع الشاب القاصر الذي كان ضمن المجموعة المشتبه بها، ظهرت خيوط ومعلومات دقيقة قادت الشرطة إلى باقي المتورطين.
هكذا خرجت طفلة صغيرة من بيتها آمنة مطمئنة متجهة إلى درسها، ولم تكن في ذهنها أدنى فكرة أن هناك من يتربص بها ليحوّل طريقها إلى ذكرى مؤلمة لا تنسى مدى الحياة. رحم الله الطفلة زينب كابر، وأسكنها فسيح جناته، وحفظ الله جميع أطفالنا من كل شر ومكروه.




