
نادَت عليا وقالت:
«أحمد، أنا عارفة إنك متأثر، لكن لازم تحاول تكون قوي عشان مراتك».
هزيت راسي، وبعدين قلت بصوت مبحوح:
«أنا آسف يا أميرة، آسف على كل كلمة قلتها».
سكتت، فكمّلت:
«أنا جيت هنا وهدفي أضايقك. كنت عايز أثبت لك إن حياتي بقت أحسن من غيرك، واعتبرت حملي زوجتي دليل على إني كسبت».
أميرة بصتلي بهدوء، وأنا كملت:
«دلوقتي فهمت قد إيه كنت غلطان. أنا آسف إني دخلت مكان شغلك واستغليت وجودك عشان أوجعك بكلامي».
قالت:
«دلوقتي مش وقت الكلام ده يا أحمد. الأهم إنك تكون جنب مراتك وتساعدها تعدي المرحلة الصعبة دي».
رجعت لمراتي، ولقيتها حزينة ومحتاجة وجودي جنبها. قعدت جنبها ومسكت إيدها، فقالتلي وهي بتعيط:
«أنا كنت مستنية اليوم اللي أشوف فيه ابني».
حضنتها ودموعي نزلت، وقلت لها:
«أنا جنبك يا حبيبتي، وهنعدي الفترة دي سوا».
رجعنا البيت بعد أيام، لكن البيت اللي كنا مجهزينه لاستقبال طفلنا بقى هادي بشكل مؤلم.
السرير الصغير فضل مكانه، والهدوم اللي اشتريناها فضلت متعلقة، وحتى اللعبة اللي كنت متخيل إني هلعب بيها مع ابني ما قدرتش ألمسها.
مراتي كانت بتحزن كل ما تشوف حاجة من حاجات الطفل، وأنا كنت بحاول أكون جنبها وأفهم إن الحزن محتاج وقت، وإن كل واحد فينا ممكن يتعامل مع الفقد بطريقة مختلفة.
وبعد حوالي أسبوع، روحت عيادة أميرة مرة تانية.
أول ما شافتني سألتني:
«في حاجة يا أحمد؟».
قلت لها:
«جيت أقولك حاجة واحدة. أنا كنت فاكر إنك خسرتيني، لكن الحقيقة إني أنا اللي خسرتك، وخسرت نفسي بسبب غروري، وظلمت كمان واحدة ملهاش ذنب».
سكت شوية، وبعدين كملت:
«فضلت سنتين مقتنع إنك اخترتي شغلك ضدي، وإن نجاحك كان معناه إنك مش مهتمة بيا. لكن دلوقتي فهمت إنك كنت بتحاولي تحققي حلمك، وأنا كنت شايف نجاحك كأنه تهديد ليا».
أميرة ردت بهدوء:
«كل واحد بيتعلم من تجاربه، المهم إنه يفهم غلطه ويحاول يتغير».
قلت لها:
«أنا اتعلمت بالطريقة الصعبة. دخلت عندك بقلب مليان غرور، وخرجت وأنا فاهم إن الشماتة عمرها ما بتجيب راحة».
قالت:
«ما تفضلش تعاقب نفسك طول عمرك يا أحمد. اتعلم من اللي حصل، وحاول تكون أحسن مع الناس اللي في حياتك».
خرجت من عندها وأنا بفكر في كلامها.
ولأول مرة، ما كنتش عايز أثبت لأي حد حاجة؛ لا لأميرة، ولا لمراتي، ولا حتى لنفسي.
كنت عايز أتعلم إزاي أكون زوج أفضل، وأتعامل مع الناس اللي بحبهم باحترام، من غير ما أقارن نفسي بحد أو أستخدم مشاعر الآخرين عشان أثبت إني على حق.
رجعت البيت، ولقيت مراتي قاعدة قدام حاجات الطفل.
قعدت جنبها، فسألتني:
«هتفضل فاكر اللي حصل؟».
قلت لها:
«أكيد، لكن مش عايز الحزن يضيعنا إحنا كمان. أنا جنبك، وهنحاول نعدي الأيام دي واحدة واحدة».
مسكت إيدها، وفضلنا قاعدين في هدوء.
ومن اليوم ده، بدأت حاجات كتير تتغير جوايا.
بطلت أقارن نفسي بأي حد، وبطلت أشوف نجاح الست اللي جنبي كأنه تهديد ليا، وبطلت أستخدم الناس اللي بحبهم عشان أثبت حاجة لناس من الماضي.
أما أميرة، ففضلت دكتورة ناجحة زي ما كانت، تكمل طريقها وتساعد مرضاها.
وأنا كل ما أفتكر اليوم اللي دخلت فيه عيادتها، أفتكر درس عمره ما هيروح من بالي:
مش كل انتصار بنجري وراه بيكون مكسب، وساعات الإنسان ما يعرفش قيمة الاحترام والهدوء غير لما يراجع نفسه ويكتشف أخطاءه.
أنا يوم دخلت عيادة أميرة كنت فاكر إني داخل أوريها إنها خسرتني، لكن الحقيقة إني خرجت وأنا عارف إن أكبر خسارة كانت في غروري، وإن الاعتراف بالغلط هو أول خطوة عشان الإنسان يبدأ من جديد.




