
الموظفة كانت واقفة وراهم، وشاورت عليا بصباعها وهي بتقول:
“هي دي يا حضرة الظابط.. هي دي الست اللي معاها الورق!”
أنا اتسمرت مكاني. الدم هرب من عروقي، ووقفت بصدمة وذهول وأنا بضم أدم لحضني وبسأل بصوت متقطع: “فيه إيه؟ أنتوا مين؟ وبتشاوروا عليا كدة ليه؟! أنا عملت إيه؟”
الظابط قرب مني، ملامحه كانت حادة وصارمة جداً، وبصلي بنظرة خلت ركبي تخبط في بعضها، وقال بلهجة جافة وصادمة:
“فيه إن جيلنا بلاغ من الموظفة هنا.. إن كل الأوراق اللي أنتِ شايلاها دي، من شهادة ميلاد الولد لقسيمة الجواز.. كلها أوراق مزورة تزوير كلي! اتفضلي معانا على القسم من غير شوشرة.”
في اللحظة دي، حسيت الأرض بتتهز من تحتي وأنا مش مستوعبة اللي بسمعه.. عقلي وقف كلياً… بس الصدمة دي مكنتش النهاية.. لأن اللي عرفته بعدها كان أسوأ وأبشع بكتير من مجرد ورق مزور!
الدنيا اسودت في عيني، والظابط بتكلم وأنا حاسة إن صوته جاي من حتة بعيدة أوي.. أدم بدأ يصرخ ويمسك في رجلي، وأنا مش قادرة أقف على طولي، دموعي نزلت مغرقة وشي وأنا بزعق بانهيار: “تزوير إيه يا فندم؟! أنت بتقول إيه؟! ده جوزي، وده ابني، والورق ده كله مأذون اللي عامله في بيتنا! والله العظيم أنا ماليش دعوة بالحاجات دي!”
الظابط بصل لدموعي بنظرة شك، بس نبرته هديت سنة صغيرة وقال: “يا مدام الكلام ده مش هنا، اتفضلي معانا في الهدوء عشان الولد اللي مرعوب في إيدك ده”.
مشيت معاهم وأنا رجلي بتجرجر على الأرض، ركبنا البوكس والناس في الشارع بتبصلي كأني مجرمة.. أدم كان دافن رأسه في حضني وبيموت من الخوف، وأنا عقلي شغال زي المكنة: طارق فين؟ معقول طارق ضحك عليا؟ طب ليه؟ طب والمأذون؟ طب وأمه؟!
وصلنا القسم، ودخلوني مكتب رئيس المباحث، راجل هادي وذكائه باين في عينه. قعدت على الكرسي وأنا بترعش، والظابط حط الأوراق قدامه على المكتب وقال: “يا فندم، دي الست اللي اتمسكت في المدرسة بأوراق مزورة.. قسيمة الجواز تزوير كلي، والشهادة متسجلة برقم قومي بتاع طفل متوفي من ست سنين!”.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. طفل متوفي؟! يعني أدم ملوش وجود في الدولة؟! يعني أنا مش متجوزة أصلاً؟!
رئيس المباحث بصلي وقال بجمود: “اسمك إيه يا مدام؟”
رديت بصوت مبحوح: “منى.. منى عبد الرحمن”.
“وتعرفي منين اللي اسمه طارق ده؟”
حكيت له كل حاجة من سبع سنين لحد النهاردة، وبقيت أحلف بأي حاجة في الدنيا إني ضحية ومش فاهمة حاجة. الراجل سمعني للآخر، وبعدين سحب قسيمة الجواز وبص فيها، وقال للظابط اللي واقف: “اطلبلي طارق ده فوراً، وهاتلي برينت كامل عن الرقم القومي بتاعه”.
ساعتين وأنا قاعدة على نار، لحد ما العسكري دخل ومعاه ورقة. رئيس المباحث خدها وبص فيها، وفجأة لقيت ملامحه اتقلبت تماماً.. بصلي بنظرة شفقة وعجز عمري ما هنساها.. نظرة رعبتني أكتر من نظرة الظابط في المدرسة.
قرب بالكرسي بتاعه وقال بصوت واطي: “يا مدام منى.. أنا عايزك تتماسكي.. الصدمة مش في الورق المزير وبس”.
مسكت في حرف المكتب وقولت برعب: “في إيه تاني يا فندم؟ قولي ماله طارق؟”
رئيس المباحث اتنهد وقال: “طارق اللي أنتِ عايشة معاه بقالك سبع سنين، ومخلفة منه.. اسمه الحقيقي مش طارق أصلاً.. اسمه ‘مسعد’، ومفيش حد في عيلته بالأسماء اللي قالها لك.. والست اللي جت معاه وقالت إنها أمه، دي واحدة مسجلة ومؤجرها بالفلوس عشان تعمل الدور ده”.
جسمي كله سقع، وحسيت إني مش قادرة أتنفس: “يعني إيه؟ يعني هو مين؟!”
الظابط كمل الحقيقة المرة: “مسعد ده مسجل خطر، هربان من حكم في قضية قتل وسرقة بالإكراه من سنين! هو انتحل شخصية ‘طارق’ وزور ورق عشان يختفي من عيون الحكومة.. وعشان يكمل الحبكة، اتجوزك بجواز صوري، وجاب واحد صاحبه لبس لبس مأذون وعملكم الحفلة دي في بيتكم.. أنتِ بالنسبة له كنتِ مجرد الستار اللي بيستخبى وراه من الحساب.. بيت هادي، وزوجة من عيلة محترمة، وطفل يثبت بيه وجوده الجديد في المنطقة.. أنتِ عيشتي سبع سنين مع مجرم وهربان من العدالة!”.
الدموع نشفت في عيني.. حسيت إن روحي بتتسحب مني.. السبع سنين اللي فاتوا مروا قدام عيني في ثانية.. الراجل الحنين، الكريم، اللي كان بيخاف عليا من الهوا، طلع وحش بشري.. طلع شخص تاني خالص.. ومستخدمني لافتة عشان يداري جرايمه! وابني.. ابني ملوش اسم، ملوش أب، ملوش ورق.. أنا ضعت، وضيعت ابني معايا عشان غميّت عيني باسم الحب.
رئيس المباحث قاطع صدمتي وقال: “دلوقتي يا مدام منى، أنتِ هتمضي على أقوالك وتعملي بلاغ ضده، وإحنا هنطلع قوة على الشقة نجيبه.. ولازم تدلينا على أي مكان ممكن يهرب فيه”.
هزيت راسي زي المجنونة وقولت: “هاتوه.. هاتوه أرجوكم.. ده دمرني.. ده ذبحني وذبح ابني!”.
وفعلاً، القوة طلعت.. وفضلت أنا وأدم في القسم مستنيين.. بس الغدر مكنش واقف لحد هنا.. بعد ساعة، التليفون رن على مكتب رئيس المباحث، رد، ولقيته وشه اتخطف وبصلي وقال: “الشقة فاضية يا فندم؟.. يعني إيه؟.. طب دوروا في المنطقة!”.




