
الكلمة وترتني.. “تعالي معايا!” قلبي انقبض وافتكرت جدي فوراً! بصيت لجوزي بقلق وسألته: “مشوار إيه ده اللي دلوقتي؟ ورايحين على فين؟”
رد بسرعة: “هاقولك على الطريق.. يلا بينا عشان متأخرين.”
كنت هرفض بس ملقيتش حجة.. كل ما أجيب سيرة جدي بيقولوا ده راجل خرف ومتاخديش على كلامه.. غير إن حماتي كانت واقفة ومكانش ينفع أرفض قدامها من غير سبب واضح. حماتي قربت مني وقالتلي بابتسامة غريبة: “روحي يا حبيبتي مع جوزك ومتقلق خالص على العيال.. العيال في عينيا، يلا مع السلامة.”
نزلت معه وطول الطريق وأنا قاعدة جنبه في العربية بقلق، وكل شوية أسأله إحنا رايحين فين؟ وهو يرد بإجابات مبهمة ويقولي: “سيبيها على الله، قربنا نوصل اهو.” ولما العربية وقفت، ونزلنا ووصلنا للمكان.. الدنيا اسودت في وشي، وعرفت الحقيقة وقتها!
اتمنيت من كل قلبي لو كنت صدقت جدي من أول يوم، ولو كنت فهمت إن الراجل ده مكانش بيخرف ولا حاجة.. ده كان الوحيد فينا اللي شايف الحقيقة، بس للأسف.. فهمت بعد ما بقيت جوه الفخ!
نزلت من العربية ورجلي بتترعش، الهواء كان ساقط وتقيل كأنه بيرفض يخليني أتنفس. المكان كان شبه مهجور، طريق مقطوع في أطراف الجيزة، على جنب منه مبنى قديم لافف حواليه سور عالي مصدي، ومفيش أي يافطة توضح ده إيه.
بصيت لجوزي محمود بذهول، لقيته بيعدل لياقته ونظراته اتغيرت تماماً.. الملامح الهادية والضحكة اللي كنت بحبها اختفت، وحل محلها برود يرعب.
“إحنا فين يا محمود؟ ده مش مشوار شغل، إيه المكان ده؟!”
محمود مسك إيدي بقوة مش طبيعية، وقال بنبرة حادة خالية من أي رحمة: “امشي وأنتِ ساكتة يا هدى.. مش عاوز كلام كتير هنا، الناس مستنيانا جوه.”
جرّني وراه، وباب الحديد المصدّي اتفتح بصوت يجرّح الودان. أول ما دخلنا المبنى، شميت ريحة مطهرات حادة مخلوطة برطوبة وعفن.. ممر طويل، إضاءته فلورسنت بترمّش وتعمل صوت زنة توتر الأعصاب.
وفي آخر الممر، كان واقف راجل ببالطو أبيض، عيونه زايغة وشعره منكوش، وجنبه اتنين ممرضين أجسادهم ضخمة. الراجل اللي بالبالطو بص لمحمود وقال بنبرة تجارية بحتة: “هي دي الحالة المذكورة؟ الورق جاهز والشيك اتصرف، يادوب نمضي الإقرار.”
هنا صرخت.. صرخة هزت أركان المكان: “إقرار إيه؟! انتوا بتتكلموا عن إيه؟! محمود افتح الباب ده أنا عاوزة أمشي! عيالي فين؟!”
محمود بصلي ببرود قاتل، وطلع من جيبه ملف أصفر، واداه للراجل أبو بالطو وهو بيقوله: “دي تقارير من مستشفى خاص تثبت إن عندها نوبات صرع وهلاوس سمعية وبصرية حادة، وشكلها يشكل خطر على نفسها وعلى العيال.. والمحكمة مش هتعرف تتكلم في حضانة ولا في مؤخر.. وأنا كتر خير منسوبي حطيتها في مصحة تحت الرعاية، مش كده ولا إيه يا دكتور؟”
الدكتور ابتسم ابتسامة خبيثة وهز رأسه: “طبعاً.. العلاج هنا بيحتاج وقت، والتكلفة شاملة الإقامة لحد ما تغيب عن الوعي خالص.”
في اللحظة دي.. الدنيا لفت بيا، وكأن الزمن وقف! الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. محمود مش بس عاوز يطلقني، محمود عاوز يتخلص مني! عاوز يرميني في مصحة أمراض نفسية غير مرخصة عشان يضمن الحضانة، وياخد الشقة، وياخد مؤخر الصداق وفلوس ورثي!
وفجأة.. شريط حياتي كله أتعرض قدام عيني في ثانية. افتكرت جدي! افتكرت نظرته لمحمود لما كان بيجيلي البيت.. جدي اللي قلبه كان حاسس، جدي اللي رغم إن الزهايمر أكل مخه، إلا إن حبه ليا ونقاء روحه كانوا أقوى من المرض! جدي مكانش بيخرف.. جدي بقلب الصالحين كان قاري محمود من أول لحظة!
صرخت بعالي صوتي: “يا خاين! يا نذل! عملتلك إيه عشان تعمل فيا كده؟! ده أنا صنتك وصنت بيتك وعيالي.. تبيعني عشان الفلوس؟!”
محمود زقني بقسوة في إيد الممرضين الضخام.. الاتنين مسكوني من دراعاتي بقوة كتفتني تماماً.
وقال وهو بيلتفت عشان يمشي بكل بساطة: “خلصنا يا دكتور.. أديها أي حُقنة تهدّيها، أنا ماشي عشان العيال زمانهم قلقوا.”
مشهد المقاومة والهروب المُعدل:
الخوف تجمد جوايا وحل محله إصرار رهيب وغريزة بقاء مش طبيعية. افتكرت إني لو استسلمت هنا، مش هخرج من المكان ده حية، وعيالي هيضيعوا للأبد تحت إيدين حماتي ومحمود.
الممرض كان بيطلع سرنجة من جيبه وبفك غطاها، وفي لحظة انشغالهم بحديث محمود والدكتور، اتكلت على الله واستغلت عنصر المباغتة والسرعة.
بكل ما أوتيت من قوة، دفعت الممرض اللي ماسكني من دراعي الشمال بعزم ما أقدر، ففقد توازنه ووقع للأمام فجأة. وقبل ما الممرض التاني يستوعب اللي حصل، لفيت نفسي بسرعة ودفعت باب الغرفة المفتوح نص دفعة بعنف، وسبت نفسي وجريت بأقصى سرعة عندي!
سمعت محمود بيصرخ بهستيريا خلفي: “امسكوها يا غبي منك ليه! هتفضحنا!”
الدكتور والممرضين بدأوا يجروا ورايا، ومحمود بيجري وراهم.. الممر المظلم كان طويل، بس صوت تحذير جدي كان بيرن في وداني زي الأذان: “اهربي فوراً!”
وصلت للباب الحديد المكسير، كان الراجل البواب واقف بيحاول يقفله لما سمع الصريخ.. قبل ما يلحق يقفله، زقيته بكل قوتي وجسمي، فالراجل اترمى على الأرض والباب اتفتح. طلعت أجري في الشارع المقطوع.. التراب كان بيطير في وشي، وجزمتي اتخلعت من رجلي، بس مشيت حافية على الحصى والأحجار، مكنتش حاسة بأي ألم، وكان كل همي أبعد عن المبنى الملعون ده.
محمود كان بيجري ورايا وبيتفسفس بعنف، وصوته يقرب: “استني يا هدى! مش هتعرفي تهربي!” والممرضين ورايا..
وفجأة.. ربنا لما بيريد نجاة حد، بيسخرله الأسباب. طلعت على الطريق العمومي، ولقيت عربية نقل بضائع كبيرة هادية وهي داخلة على ملف. بغير تفكير، رميت نفسي قدام العربية، السواق ضرب فرامل بصوت يرعب والعربية هديت تماماً.




