قصص و روايات

بعت دهبي

مرت الأيام اللي قبل يوم فرش العروسة كأنها سنين من عمر إنسان بيعد دقات قلبه الأخيرة. في بيت عيلة جوزي، كان الجو احتفالي وصاخب؛ حماتي وأخت جوزي رايحين جايين بيوزعوا شربات، وكمال ماشي في البيت نافش ريشه وفاكر إنه انتصر، وإنه كسرني وقعدني في الأرض. كان بيبص لي بنظرات كلها تعالي وغرور، وكأنه بيقولي شفتي؟ القوة مش للي يملك، القوة للي يعرف يلعبها صح.
طبعاً، كان مفكر إني هقعد أندب حظي، ألطم على وشي، أو أعيط جنب عيالي في الأوضة الضيقة. بس غبي.. ماعرفش إن وجع الست المقهورة بيحولها في لحظة لشيء تاني خالص.. لثعلب بيدير خطته بهدوء وبرود مخيف.
في الكام يوم دول، أنا ما نزلتش دمعة واحدة. الدموع خلصت، ومبقاش مكانها غير نار باردة بتفكر في حاجة واحدة بس إزاي أرجع حقي، وأخليه هو وأهله يندموا على اليوم اللي فكروا فيه يظلموني؟
بدأت خطتي بهدوء كاتم الأنفاس. أول حاجة عملتها، إني أخدت بعضي وطلعت على محامٍ شاطر ومعروف بدهاشه في المنطقة. حكيت له كل كلمة، من أول بيع الدكاني ودهبي، لحد طرد جوزي ليا وجحوده وكلامه اللي زي السم. المحامي بص لي وقال بابتسامة ثقة يا مدام نوال، الجواب يبان من عنوانه، والراجل ده غبي وغتر بطمعه، لكن القانون معاه ثغرات واضحة جداً طالما فيه أوراق بيع ومستندات، والأهم من كده.. إحنا مش هنلجأ للمحاكم بالطريقة البطيئة، إحنا هنعملها مفاجأة جماهيرية تخلص الموضوع في ساعة واحدة وبأعلى مكسب!.
مشيت على خطة المحامي حرفياً. يوم بيع الدكانة، أنا كنت ذكية كفاية وكتبت عقد بيع موثق يثبت إن الفلوس دخلت في حساب مشترك بيننا لشراء الشقة، ده غير إيصال أمانة قديم كان كاتبهولي لضمان حق العيال وقت أزمة سابقة، وكمان نسيت أقولكم.. لما نزلنا نشتري الشقة الجديدة، أنا أصلاً كنت ماسكة في إن عقود الشقة تتكتب بأسامينا إحنا الاتنين، وهو ضحك عليا وقتها وقالي ما هي بتاعتك يا بت. لكن المحامي طلع ثغرة تانية في عقود الشقة والشهود اللي حضروا وقت دفع المقدم من ثمن دكاني ودهبي.
ووجع يوم الفرش المنتظر.
الشارع كان مقلوب، عربيات النقل محملة بالنيش والأجهزة والأنتريه، والعروسة وأهلها نازلين بيزغردوا، وكمال واقف قدام باب العمارة بيستقبلهم بكل طبرة وفرحة، وحماتي واقفة في البلكونة بتزغرد وتوزع شربات على الناس.
أنا استنيت لحد ما دخلوا العروسة وأهلها جوه الشقة، والناس تجمعت في الصالة والمدخل، وكلهم بيباركوا. في اللحظة دي، نزلت من بيت عيلي.. كنت لابسة عباية سوداء شيك، حاطة نظارة شمس، وماسكة شنطتي وفيها كل مستنداتي، ومعايا المحامي بتاعي ومأمور تنفيذ أحكام ومعاه محضر رسمي وموظف من الشهر العقاري، ده غير اتنين شهود من أهل المنطقة الشرفاء اللي شافوا كمال وهو بياخد مني فلوس الدكانة والدهب.
دخلنا الشقة المفاجأة.. الباب كان مفتوح والناس جوه بتبارك. أول ما كمال شافني، وجهه اصفر وبقع، وعينيه نطت من راسه وكأنه شاف عفريت. صرخ فيا بجنون إنتي إيه اللي جابك هنا؟ اطلعي بره فوراً بدل ما أطردك بشكل مش هيعجبك!.
رفعت إيدي ونزلت النظارة، وبصيت له ببرود تام، وبصوت عالٍ وصل لكل زاوية في الشقة، قلت أطلع بره مين يا راجل إنت؟ دي شقتي أنا، وبفلوس دهبي ودكانة أبويا اللي سرقتها في غفلة من الزمن!.
أبو العروسة اتخض، ووقف مذهول وقال إيه الكلام ده يا كمال؟ مين دي؟ وإيه حكاية الشقة دي؟!
قبل ما كمال ينطق بحرف، طلع المحامي الورق والمستندات الرسمية، وبصوت جهوري قال لكل الموجودين يا جماعة، الأستاذ كمال ده نصب على مراته الأولى، وخد منها تمن دكانة أبوها ودهبها عشان يشتري الشقة دي اللي أنتوا فرشينها دلوقتي، ومعانا عقود البيع، ومستندات إثبات الملكية، وإيصالات الأمانة الموثقة اللي تثبت إن الشقة دي والفلوس دي كلها ملك خالص للمدام نوال، وأي محاولة لفرش الشقة دي أو السكن فيها تعتبر تبديد ونصب علني يعاقب عليه القانون!.
الكلمات نزلت زي الصاعقة على دماغ كمال وحماتي اللي نزلت تجري من فوق وهي بتلطم. العروسة وأهلها اتقلبوا 180 درجة. أبو العروسة اتجنن، مسك كمال من ياقته وقاله بتضحك عليا … وجايب بنتي تقعد في شقة مسروقة ومشاكلها للركب؟! دي بتلعب بالنار!.
العروسة انهارت وعيطت، وبدأت تصرخ في وجه كمال وأمه، وأهلها طلبوا عمال النقل حالاً يرجعوا العفش كله على العربية وسط لغة الشتائم والفضائح اللي ملأت الشارع. العمارة كلها اتلمت، والناس بقت تشاور على كمال وتقول يستاهل، طماع وعايز يسرق تعب مراته عشان يتجوز عليها!.
كمال كان واقع على ركبه، بيبص حواليه ومش مصدق إن إمبراطورية الطمع اللي بناها اتهدمت فوق رأسه في دقایق معدودة. بص لي نظرة رجاء وانكسار، وكان لسه هيتكلم، بس أنا قاطعته بنظرة احتقار شديدة.
المحامي بتاعي بص له وقال بقسوة قدامك حل من الاتنين يا أستاذ كمال يا إما تسجل الشقة دي باسم المدام نوال فوراً وتتنازل عن كل حقوقك فيها كتعويض عن النصب والضرر النفسي، يا إما هحبسك سنتين خيانة أمانة ونصب وتبديد، وتشوف مين هيخرجك ساعتها!.
طبعاً، من كتر الخوف والفضيحة قدام أهل العروسة والمنطقة كلها، وافق فوراً وهو مرتعش زي الورقة الشجر. في نفس اليوم، وفي مكتب الشهر العقاري، تم نقل ملكية الشقة بالكامل باسمي، وخدت منه تعويض مادي كاش جبر جزء من تمن الدكانة، وطلعت ورقة طلاقي منه وأنا مرفوعة الراس.
رجعت شقتي الجديدة.. قعدت على الكرسي في الشالة، وأنا حاطة رجل على رجل، وبشرب كوباية ليمون ساقعة، وبتفرج على عيالي وهم بيجروا في الشقة براحتهم وبيلعبوا بلا خوف ولا خنقة.
حسيت إن ربنا سبحانه وتعالى مش بيسيب حق مظلوم، وإن كيد الظالمين في تضليل.
دموع القهر اتحولت لضحكة نصر مدوية، ولقيت نفسي بقول بصوت عالي حقك ما يضيعش أبداً طول ما وراه ست بمليون راجل!.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى