قصص و روايات

بعد وفاة جوزي

زعق فيها: أيوه تعتذري، بدل ما الموضوع يكبر أكثر من كده!

قامت من مكانها بالعافية، وبصتلي وقالت بنبرة كلها غيظ: أنا آسفة يا هبة، حقك عليا، والعيال كمان حقهم عليا.

بصيتلها وقلت: الاعتذار مش ليا لوحدي، العيال قاعدين جوه. روحي اعتذريلهم بنفسك، وقولي لهم إنهم مش أقل من أي طفل، وإن اللي حصل كان غلط.

دخلت الأوضة، وبعد شوية خرجت مع عيالي. كانوا واقفين جنبي، ومش فاهمين ليه مرات خالهم جاية تعتذر، ولا ليه خالهم اللي بقاله شهور ما بيسألش عنهم قاعد عندنا.

سعاد نزلت لمستواهم وقالت: أنا آسفة يا حبايبي، ما كانش ينفع أقول لكم الكلام ده، ولا أبعت لكم الهدوم بالطريقة دي.

ابني الكبير بص لها وسألها ببراءة: يعني يا طنط إحنا مش فقراء عشان بابا مات؟

السؤال نزل على قلبي زي السكينة، وشفت سالم يحط إيده على وشه، وسعاد اتلخبطت ومردتش.

حضنت ابني وقلتله: لأ يا حبيبي، إنتوا مش أقل من حد، وموت باباكم مش عيب، والفلوس عمرها ما كانت مقياس قيمة الإنسان.

سالم قام وقرب مني وقال: سامحيني يا هبة، أنا غلطت في حقك، وحق ولادك عليا. والله ما كنت أعرف إن الموضوع وصل لكده، وأنا هعوضكم عن كل اللي فات.

بصيتله وقلت: أنا مش عايزة منك تعويض يا سالم، ولا عايزة منك فلوس تصرفها على عيالي. أنا كنت عايزة أخويا، كنت عايزة حد يسأل على ولاد أخته اللي اتيتموا، حد يحسسهم إن ليهم خال في الدنيا. لكن إنت حتى لما اشتكيتلك، اخترت تصدق مراتك وتكسرني أنا وعيالي.

فضل يعتذر، ويحاول يمسك إيدي، لكني سحبتها بهدوء وقلتله: أنا سمعت اعتذارك، وربنا يسامح الجميع، بس في حاجات لما بتتكسر، مش بترجع زي الأول.

سالم مشي هو ومراته بعد ما وعدني إنه هيهجي يزور العيال باستمرار، وأنا قفلت الباب وراهم، ودخلت أوضتي.

وقفت قدام الدولاب، وطلعت علبة خشب قديمة كنت محتفظة بيها من أيام أبويا. فتحتها، ولقيت جواها ورق متغلف بعناية، وأوراق تانية عليها أختام رسمية. مسكتهم، ودموعي نزلت غصب عني. الورق ده كان آخر حاجة أبويا عملها عشاني قبل ما يموت.

قبل وفاة أبويا بسنتين، كان سالم لسه بيحاول يبدأ حياته، وكان عنده مسؤوليات كتير، ومراته كانت حامل في طفلها التاني. أبويا وقتها كان عنده بيت كبير، ودكان في السوق، وكان عارف إن الأيام ممكن تتغير، وإن كل واحد فينا لازم يبقى ليه حق محفوظ.

في يوم، ناداني أنا وسالم، وقعدنا قدامه، وقال: يا ولادي، أنا مش هعيش لكم العمر كله، وعايز أضمن إن محدش فيكم يظلم التاني بعد موتي. البيت اللي سالم ساكن فيه، والدكان اللي بيشتغل فيه، أنا كاتبهم لهبة وليها نصيب محفوظ فيهم، وده غير باقي حقوقها في الميراث.

سالم وقتها اعترض وقال: يعني يا أبويا أنا اللي هفضل أدفع في الدكان وأصلح البيت، وفي الآخر يبقوا مش بتوعي لوحدي؟

أبويا رد عليه بحزم: الدكان إنت اللي بتشتغل فيه، وده رزقك، لكن أصل الملكية وحقوق أختك لازم يفضلوا محفوظين. أنا مش عايز حد فيكم ياكل حق التاني، ولا عايز هبة تيجي في يوم تلاقي نفسها ملهاش مكان في الدنيا.

أنا يومها اعترضت وقلت لأبويا: يا بابا، أنا مش عايزة حاجة من سالم، ده أخويا، والبيت والدكان دول رزقه ورزق عياله.

أبويا بصلي بحنان وقال: أنا عارف إن قلبك طيب يا بنتي، بس الطيبة مش معناها إنك تضيعي حقك. سيبي حقك برضاكي لو عايزة، لكن ما تتنازليش عنه عشان حد يضغط عليكي.

وبالفعل، عمل أبويا الإجراءات القانونية اللازمة، وسجّل حقي في الأوراق الرسمية، وخلّى كل حاجة واضحة ومحددة، عشان ما يبقاش فيه مجال للخلاف بعد وفاته.

ولما أبويا وأمي ماتوا، سالم كان في ضائقة مالية، ومراته كانت لسه بتربي عيالها، وأنا وقتها كنت متجوزة وبيتي مستقر، فقررت من نفسي إني ما أطالبش بحقي. قولت لنفسي إن البيت والدكان هيفضلوا في إيد أخويا، وإنه أولى بيهم في الوقت ده، وإن ربنا هيعوضني خير.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى