قصص و روايات

في ليلة فرح ابنى

بصيت لمحمود، لقيته واقف جنبي، ووشه بدأ يتغير.

هو كان راجل هادي، ومش بيحب الخلافات، لكن كمان ما كانش بيقبل إن حد يهين أهل بيته.

قال لها:

«يا مدام سوسن، لو سمحتي، اتفضلي اقعدي، ونتكلم بهدوء.»

ردت عليه:

«أنا مش هقعد قبل ما أعرف الحقيقة. إنتوا وعدتونا بحاجة، وده حق بنتي.»

ساعتها كريم قرب منهم، وكان واضح إنه بدأ يفهم إن الموضوع أكبر من مجرد ظرف فيه فلوس.

قال:

«في إيه يا ماما؟ إنتِ بتتكلمي عن إيه؟»

سوسن بصت له وقالت:

«عن الهدية اللي والدتك وعدت بيها مراتك يا حبيبي. إحنا مش بنطلب حاجة من حد، لكن لما حد يوعدنا بحاجة لازم ينفذ وعده.»

كريم بصلي وقال:

«ماما، هو إنتِ كنتِ وعدتي نادين بهدية معينة؟»

السؤال وجعني.

مش عشان هو سألني، لكن عشان حسيت إن كل السنين اللي تعبت فيها علشانه، والفلوس اللي جمعتها وأنا بحرم نفسي من حاجات كتير، والقرارات اللي أخدتها علشان أأمن مستقبله، ممكن في لحظة واحدة تتقلب قدامه إلى اتهام بالبخل أو الكذب.

ومع ذلك، رديت بهدوء:

«أيوه يا كريم، كنت مجهزة هدية ليها.»

نادين رفعت راسها بسرعة، وعينيها لمعت.

أما أمها فابتسمت ابتسامة صغيرة، وكأنها أخيرًا وصلت للي كانت عايزاه.

كريم قال:

«طب إيه اللي حصل؟»

بصيت لنادين وقلت:

«الهدية كانت جاهزة، لكن أنا غيرت رأيي.»

وشها اتقلب.

قالت بسرعة:

«غيرتي رأيك ليه يا طنط؟»

كانت أول مرة من ساعة ما دخلت القاعة تناديني فيها بطنط بدل ماما، وده لوحده كان كفاية يوضح قد إيه هي متضايقة.

قلت لها:

«لأن الهدايا يا بنتي بتتقدم بالمحبة، مش بالضغط، والاحترام ما ينفعش يكون تمنه عقد شقة ولا دهب ولا فلوس.»

نادين اتنرفزت وقالت:

«أنا مش فاهمة حضرتك تقصدي إيه!»

ابتسمت وقلت:

«ولا حاجة يا نادين. أنا بتكلم عن نفسي وعن الطريقة اللي بحب أتعامل بيها مع الناس.»

أمها قاطعتني:

«لأ، إنتِ تقصدي حاجة، ولازم تقوليها قدام الناس كلها. إحنا بنتنا مش قليلة عشان تتعامل بالطريقة دي.»

محمود رد عليها بنبرة حاسمة:

«ولا حد قال إن بنتك قليلة. لكن محدش له حق يدخل فرح ابني يحرج مراته أو أمه قدام الناس.»

سوسن ضحكت بسخرية:

«مراته؟ أيوه، مراته. والبنت اللي هتعيش مع ابنك وتبني مستقبله. المفروض إنكوا تفرحوا بيها وتكرموها بدل ما تحسسوها إنها داخلة بيت ناس مش عايزينها.»

بصيت لها وقلت:

«إحنا اللي طلبنا إيد بنتك، ولا إنتوا اللي وافقتوا على كريم؟»

سكتت لحظة.

كملت كلامي بنفس الهدوء:

«إحنا رحبنا بيها، واستقبلناكم في بيتنا، وعملنا اللي نقدر عليه علشان نفرح ولادنا. لكن ده مش معناه إننا نوافق على أي كلام يتقال لنا.»

كريم قرب مني وقال:

«ماما، أرجوكي، خلينا نعدي الليلة دي على خير. لو فيه مشكلة، أنا هحلها.»

بصيت له بحنان وقلت:

«يا حبيبي، أنا مش عايزة أفسد فرحتك. بس فيه فرق بين إني أحافظ على فرحتك، وإني أسمح لأي حد يقلل مني علشان فرحتك تكمل.»

كلامي خلاه يسكت.

أما نادين فبصت لأمها، وبعدها قالت بصوت منخفض لكنه كان مسموع للي واقفين قريب:

«إنتوا بتعملوا كل ده ليه؟ ما كانت تدي الهدية وخلاص!»

الجملة خرجت منها بسرعة، لكني سمعتها كويس.

وبصراحة، ما كنتش محتاجة أسمع أكتر من كده.

أنا طول عمري مؤمنة إن الإنسان ممكن يعرف معدن اللي قدامه من موقف واحد، لكن كنت بتمنى أكون غلطانة المرة دي.

نادين كانت طول فترة الخطوبة بتظهر قدامي بصورة مختلفة تمامًا.

كانت تيجي بيتنا بابتسامة كبيرة، وتجيبلي ورد، وتسألني عن صحتي، وتقول لي إنها نفسها نتعامل زي الأم وبنتها.

كانت تقعد جنبي في المطبخ، وتقول لي إنها بتحب الأكل المصري، وإنها نفسها أعلّمها وصفات الأكل اللي كريم بتحبها.

وكنت بفرح بيها.

كنت أقول لنفسي إن ابني أخيرًا لقى بنت كويسة، وإن البيت اللي هيدخله هيكون مليان راحة وود.

حتى لما كنت ألاحظ إنها بتتكلم عن الفلوس والمظاهر كتير، كنت بفسر ده على إنه اختلاف في الطباع.

ما كنتش أعرف إن كل ابتسامة كانت ممكن تكون وراها حسابات.

ولا كنت أعرف إنها شايفة إن احترامي ليها واجب عليا، لكن احترامها ليا مجرد اختيار.

مديت إيدي لمحمود وقلت:

«هاتلي شنطتي يا محمود، لو سمحت.»

استغرب وقال:

«عايزة إيه منها؟»

قلت:

«عايزة أطلع حاجة.»

جابلي الشنطة من على الكرسي، وحطها قدامي.

فتحتها بهدوء، وطلعت الظرف الأبيض اللي كنت حطيت فيه عقد الشقة.

أول ما نادين شافت الظرف، اتغيرت ملامحها تمامًا.

كانت بتراقب إيدي كأنها خايفة أرجع في قراري وأحط الظرف في الشنطة تاني.

أما أمها فمدت رقبتها علشان تحاول تعرف إيه اللي جواه.

طلعت العقد، ورفعته قدام محمود.

قلت له:

«فاكر الورق ده؟»

بص له، وبعدها بصلي وقال:

«طبعًا فاكره.»

كريم قرب خطوة.

«إيه ده يا ماما؟»

بصيت له وقلت:

«دي شقة في القاهرة، يا حبيبي. شقة اشتريتها من فلوسي، وكنت مجهزاها علشان تبقى هدية ليك ولنادين في بداية حياتكم.»

القاعة كلها سكتت.

نادين فتحت بقها من الصدمة، وأمها بطلت تتكلم.

كريم بص للعقد، وبعدها بصلي بعدم تصديق.

«شقة؟ إنتِ اشتريتي شقة يا ماما؟»

هزيت راسي.

«أيوه. شقة متشطبة، وفي مكان كويس، وكنت ناوية أديهالكم النهارده علشان تبدأوا حياتكم من غير ما تشيلوا هم الإيجار ولا أقساط السكن.»

كريم مسك الورق بإيد مرتعشة، وبدأ يقلب فيه.

«بس إنتِ ما قولتيليش!»

ابتسمت له.

«كنت عايزاها مفاجأة ليك.»

عينيه دمعت، وقرب مني وحضنني.

«ربنا يخليكي ليا يا أمي. إنتِ طول عمرك بتعملي كل حاجة علشاني.»

حضنته جامد، وحاولت أخبي دموعي.

كنت نفسي اللحظة دي تكون أجمل لحظة في حياتنا، لكن نظرة نادين خلتني أعرف إن الحكاية لسه ما خلصتش.

نادين كانت بتبص للعقد بتركيز شديد، مش بفرحة واحدة اكتشفت إن حماتها بتحبها، لكن بنظرة واحدة كانت بتعيد حساباتها.

وفجأة قالت:

«يعني الشقة دي لينا إحنا الاتنين؟»

رفعت عيني ليها.

«كنت ناوية أديها هدية ليكوا إنتوا الاتنين، أيوه.»

سألت بسرعة:

«والعقد باسم مين؟»

السؤال كان كفاية يغير كل حاجة.

كريم بص لها باستغراب.

«إيه يا نادين؟ هو ده أهم سؤال دلوقتي؟»

ردت وهي بتحاول تضحك:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى