
فتحت الباب، واصطدمت من المنظر اللي شوفته! كان واقف قدامي أخويا الكبير، محمود، لابس شورت بيتي وتيشيرت خفيف، وفي إيده تفاحة بياكل منها بمنتهى البرود. بصلي وقال صباح الخير يا سوسو، إيه يا بنتي، هتفضلي واقفة كده؟ وسعي خليني أدخل.
فضلت باصة له وأنا بحاول أمسك نفسي من الضحك، وقلتله اتفضل يا حبيبي. دخل محمود وهو بياكل التفاحة، وبص ناحية الصالة، ولما شاف سلفتي قال بكل بساطة صباح الخير. سلفتي ردت عليه بصوت واطي، وبانت على وشها علامات الارتباك.
لسه محمود ما قعدش، إلا وخبط الباب مرة تانية. المرة دي فتحت، لقيت أخويا التاني، حسام، داخل وراه أخويا الصغير، كريم. الاتنين لابسين هدوم بيت عادية، واحد فيهم ماسك كوباية شاي والتاني بيقلب في موبايله، ودخلوا وهما بيتكلموا مع بعض بكل أريحية.
حسام قال إيه يا جماعة، هو مفيش مكان نقعد فيه ولا إيه؟ ومحمود رد عليه اقعد يا عم، دي شقة أختنا، يعني بيتنا التاني. سلفتي كانت قاعدة على طرف الكنبة، عينيها بتتنقل بينهم وبين الباب، ومش عارفة تعمل إيه.
هي كانت متعودة تيجي تلاقي شقة فاضية، تتحكم في كل حاجة، وتتصرف على مزاجها، إنما فجأة لقت نفسها وسط إخواتي، وكل واحد فيهم بيتعامل بطبيعته، من غير ما يكون قصده يضايقها أو يكلمها بطريقة مش مناسبة.
الفصل الأول: القهرة القديمة وبداية الحكاية
قبل اليوم ده بأسبوع، كنت قاعدة في شقتي لوحدي، عمالة أعيط من كتر القهر والضغط النفسي. جوزي أحمد كان بيزلّ في شغله من الصبح لحد بالليل متأخر، وكان دايماً مشغول بالمشروع اللي شغال فيه عشان يقدر يسدد الدُّين الكبير اللي على عاتقه لأخوه. طبعاً، أخوه ده متجوز سلفتي اللي كانت باصة لي في كل كبيرة وصغيرة.
سلفتي كانت بتعتبر إن الشقة دي من حقهم، لمجرد إن الأرض مبنية في بيت العيلة وإن جوزي مديون لجوزها بفلوس شراكة قديمة. كانت بتيجي تخبط على الباب وتدخل من غير استئذان، تقعد بالساعات، تفتح التلاجة، وتتفرج على التلفزيون كأنها قاعدة في بيتها، بل وأكتر. عيالها كانوا بيبهدلوا الدنيا، ولو حاولت أتكلم، كانت تقول لي ببرود: “يا سستي اعتبريها شقتك، ما هي في الآخر ملك أبوهم ودين في رقبة جوزك!”.
الكلام ده كان بينزل عليا زي السكينة. كنت بحس إني ماليش أي أمان ولا خصوصية في بيتي، وإني مجرد ضيفة قاعدة بإيجار نفسي. في اليوم اللي فاض بيّ فيه الكيل، كلمت أمي وأنا منهارة من العياط. حكيت لها على كل حاجة، وعلى إزاي سلفتي بتعاملني باستعلاء، وإزاي أحمد مش فاضي يسمع شكوتي عشان همه الشغل وسداد الدين.
أمي سمعتني للآخر، وبعدين قالت لي بكلمات هادئة بس مليانة حكمة: “يا بنتي، العياط مش هيحل حاجة، واللي يسكت على حقه يضيع. جوزك مديون اه، بس ده مش معناه إن كرامتك وخصوصيتك تبقوا رخيصين. تعالي لي بكرة الصبح، وعندي ليكي فكرة تخليهم يحترموا بيتك من غير ما نعمل مشاكل ولا خناقات”.
الفصل الثاني: خطة الحكمة والدعم الأسري
رحت لأمي تاني يوم، وقعدنا نشرب الشاي مع بعض. قالت لي أمي كلام عمره ما فارق عقلي: “بصي يا سارة، سلفتك متعودة تيجي تلاقي الشقة فاضية، وجوزك مش موجود، فبتاخد راحتها للآخر. الحل مش إننا نشتمها أو نتخانق معاها، لأن ده هيقلب الترابيزة عليكِ ويخلي أحمد يزعل. الحل إنك تحسسيها إن بيتك له حرمة وإنه مليان عزوة وسند، وإنك مش لوحدك”.
سألتها باستغراب: “يعني إيه يا أمي؟ هنعمل إيه؟”
ضحكت وقالت: “إخواتك رجالة، وبارين بيكي وبيحبوش يشوفوكِ مظلومة ولا حزينة. خليهم يبدأوا يزوروكِ في أوقات مختلفة، ييجوا يتغدوا معاكي، يقعدوا يشربوا الشاي، ويتعاملوا بطبيعتهم جداً. لما سلفتي تلاقي إخواتك موجودين بشكل طبيعي ومحترم، هتعرف لوحدها إن الشقة دي ليها أصحاب، وإن الزيارات مش مباحة على الفاضي والمليان”.
الفكرة عجبتني، وكلمت إخواتي في نفس اليوم بالليل وفهمتهم الوضع ككل. محمود وحسام وكريم رحبوا جداً بالموضوع، وقالوا بصوت واحد: “من عيونا يا سارة، ده إحنا ما صدقنا نجيلك ونقعد معاكي، وإنتِ غالية علينا ومش هنسيبك تحسي بالوحدة ولا بالقلة”.
الفصل الثالث: أول أيام الزيارات والمفاجأة
وهنا نرجع لليوم اللي فتحت فيه الباب لمحمود، وبعده حسام وكريم.
أنا كنت واقفة عند باب الأوضة، بحاول أبان متفاجئة زيها. قلت لإخواتي إيه ده يا جماعة، إنتوا جايين كلّكم مرة واحدة ليه؟ محمود رد وهو بيقعد: “ما إحنا عرفنا إن جوزك مش بيبقى موجود طول النهار، فقلنا نيجي نقعد معاكي شوية ونتونس، وإنتِ لوحدك يا بنتي، وأهو بدل ما تقعدي ساكتة طول اليوم”.
حسام ضحك وقال: “وبعدين إحنا مش هنسيب أختنا لوحدها، دي غالية علينا”. أنا بصيت لسلفتي وقلت: “معلش يا حبيبتي، دول إخواتي. عرفوا إن جوزي مش بييجي طول النهار، وقالولي هيجولي كل يوم يقعدوا معايا ونتونس شوية”.
سلفتي حاولت تبتسم وقالت: “آه طبعًا، دول إخواتك”. وبعدين بصتلي وقالت: “طب أنا هروح بقى، أصل عندي شوية حاجات لازم أعملها”. محمود رفع عينه من الموبايل وقال: “بدري يا مدام! ده إحنا لسه ما شربناش الشاي حتى”. حسام قال: “اقعدي شوية، إحنا مش ضيوف تقال يعني”.
سلفتي اتكسفت أكتر، وقامت بسرعة وهي بتلم شنطتها. أنا قمت معاها وقلت: “رايحة فين بس؟ اقعدي شوية، ده بيتك!”. الكلمة الأخيرة دي كانت أكتر حاجة ضايقتها، لأنها سمعتها مني بنفس الطريقة اللي كانت بتقولها لي كل يوم. بصتلي بنظرة غريبة، وقالت: “لا يا حبيبتي، مرة تانية إن شاء الله”.
ولمّت عيالها ومشيت. أول ما الباب اتقفل، إخواتي التلاتة بصوا لبعض وانفجروا في الضحك. محمود قال: “يا بنتي دي كانت هتطلع تجري من الشباك لو تعرف!”. أنا ضحكت لحد ما دموعي نزلت، وقلت: “حرام عليكم، كنتوا هموتوني من الضحك وأنا واقفة بمثل إني مش فاهمة حاجة!”.
قعدوا معايا شوية، أكلوا معايا الغدا، وساعدوني أرتب الصالة، وبعد ما اتأكدوا إني بقيت أحسن، مشيوا على بيوتهم.




