قصص و روايات

بعد وفاة جوزي

بعد وفاة جوزي مرات أخويا بعتت عيالها يدوروا عيالي هدومهم الشتوية المقطعة، ولما كلمت أخويا قاللي الحق عليها اللي عايزه تساعدك، وقتها عرفت إن مفيش حاجة اسمها سند وطلعت الكارت الأخير اللي احتفظت بيه للزمن وخليت أخويا يجيب مراته عند رجلي تعتذر ليا ولأولادي غصب عنهم!

 

كان أتعس يوم في عمري لما تأكدت إني بجد لوحدي ومفيش ظهر اتسند عليه. أبويا وأمي ماتوا وسابوني بدري وأنا لسه صغيرة، وماكنش ليا في الدنيا دي كلها غير أخويا سالم، وكنت فاكرة وقتها إنه عزوتي وحمايتي من بعد ربنا.

سالم كان كل فين وفين لما يفتكر يسأل عني، يعتذر بشغله وبعياله ومسئوليته اللي متلتلة على كتافه، وكنت دايماً بعذره، لأني عارف إن الدنيا لاهياه وغصب عنه، وعمري ما زعلت منه ولا حسسته أبداً إنه مقصر في حقي.

لحد ما الموت خد مني جوزي من كم شهر، وسابني لوحدي في الدنيا مع عيلين أطفال، أكبرهم مكملش عشر سنين. جوزي كان فرداني، أهله متوفين ومكنش ليه حد، ومن وقت موته ومحدش دق بابنا ولا حد سأل على عيالي.

ورغم إن من جوايا كنت بتمنى إن سالم يجي يزورهم ويقويهم ويحسسهم إنهم مش لوحدهم في الدنيا دي بعد أبوهم، لكن عمري ما تقلت عليه ولا طلبت منه ولا عاتبته حتى وكنت دايما أقول وقت الشدة بجد هلاقيه.

لحد ما في يوم، كنت واقفة في المطبخ بطبخ لقمة عيش لعيالي، والباب خبط. عيالي جريوا فتحوا الباب، وبعد دقايق طلعت من المطبخ وأنا بمسح إيدي في مريلة المطبخ وبسألهم باستغراب مين بيخبط يا ولاد؟

لقيتهم مادين إيديهم بشنطة قماش قديمة وريحتها تراب، وقالوا لي عيال خالي سالم جابوا الشنطة دي يا ماما، وقالوا لنا إن دي هدومهم القديمة، مامتهم بعتاها لينا عشان إحنا مش معانا فلوس نجيب لبس جديد!

الكلمة بجد وجعتني، صحيح ظروفي كانت صعبة ومرة، وصحيح أنا ومراته عمرنا ما اتفقنا، بس متوقعتش أبداً إنها توصل للدرجة دي! تبعت عيالها للعيال الصغيرين تقولهم الكلام ده قدامهم عشان تجرحهم وتكسر نفسهم ونفسي بالشكل القذر ده؟!

مسكت الشنطة وإيدي كانت بتترعش من القهر، فتحتها.. والأسوأ أن دي مش هدوم أصلاً.. كانت بواقي هدوم شتوية متقطعة، ومبقعة، ومتخيطة كذا مرة، ومهملة بطريقة تستفز حرفياً ماتنفعش حتى مساحات للأرض!

حسيت إن القصد مش مساعدة خالص، القصد إهانة متعمدة، كسر عين بطريقة وحشة، وتلذذ بضعفي أنا وعيالي الأيتام.

مسكت تليفوني فوراً واتصلت بأخويا بغضب وأنا باصة لعيالي اللي واقفين حوالين الشنطة مستغربين. رن التليفون ورد، وبصوت كله غضب وقهر حكيت له اللي حصل، وقولتله اللي مراته عملته.

لكن الصدمة الأكبر.. اللي كسرت ضهري فعلاً، هي رده. زعق في التليفون وقال: إنتي عاملة مشكلة ليه؟! ده جزاتها أنها حبت تساعدك وتساعد عيالك.. أنتي مش هاين عليكي تقولي كتر خيرها حتى بعد ما عملت معاكي جميلة؟!

اتسمرت مكاني ومبقيتش سامعة غير صدى صوته وهو بيزعق. قولتله وأنا مش مصدق وداني: جميلة؟! أنت شوفت هي باعتة إيه وباعتته إزاي وقالت لأولادي إيه؟!

قاطعني بانفعال: أياً كان اللي بعتته واللي قالته، كان بحسن نية! وبعدين هي شايفة إنك مش هتقدري تشتريلهم اللبس الشتوي وقالت العيال تتدفى.. ولا هو أقْرَع ونزَهي.

هنا.. حسيت إن الكلام خلص، وإن مفيش أي عتاب أو مبرر ممكن يعوض الكسرة دي. قفلت التليفون في وشه فوراً من غير ما أنطق بحرف تاني، ودموعي بتنزل بصدمة مالهاش حدود. عيالي كانوا ماسكين الهدوم المقطعة ومستغربين وزعلانين، مسحت دموعي بالعافية، وحضنتهم وقولت لهم: انتوا مش هتلبسوا الحاجات دي.. ماتخافوش، أنا هجيبلكوا جديد أحسن لبس في الدنيا كلها.

العيال فرحوا بكلمتي، وأنا خدت الشنطة ودخلت على الأوضة بتاعتي فوراً وطلعت الحاجة اللي عمري ما خطر على بالي أبداً إني هضطر أستخدمها ضد أخويا.. بس لما الموضوع يوصل لكرامة عيالي، يبقى خلاص، الحكاية خلصت، ومبقاش فيه لا سند ولا نيلة، ومفيش عزيز ولا غالي.

وتاني يوم الصبح.. أخويا جه بنفسه وجاب مراته وأجبرها تعتذر ليا ولأولادي غصب عنها وبأمر منه، واللي حصل بعدها كان صادماً أكثر.

تاني يوم الصبح، الساعة كانت لسه تسعة، لما سمعت خبط على الباب. فتحت، ولقيت سالم واقف قدامي، ومراته واقفة وراه، وشها مكشر وكأنها جاية تتخانق مش تعتذر، وأول ما شافني قال بصوت متوتر: صباح الخير يا هبة، ممكن ندخل نتكلم شوية؟

بصيتله ببرود وقلت: اتفضل يا سالم، البيت بيتك، ولا هو كمان بقيت غريبة عنه؟

اتغير لون وشه، ومراته بصتلي بغيظ، لكنه دخل وقعد في الصالة، وأنا فضلت واقفة مكاني. قال وهو بيحاول يهدّي الدنيا: بصي يا هبة، أنا عارف إن اللي حصل امبارح زعلك، بس الموضوع ما يستاهلش كل ده. دي مرات أخوك، ومهما حصل بينكم، لازم تفضلوا أهل.

ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة، وقلتله: أهل؟ إنت فاكر إن الأهل دول مجرد لقب؟ طب قولي يا سالم، لما مراتك بعتت لعيالي هدوم مقطعة، وخلتهم يحسوا إنهم أقل من عيالها، ولما اتصلت بيك أشتكيلك، رديت عليا وقلتلي إني ناكرة للجميل، كنت فين ساعتها؟ كنت فاكر إنك أخويا ولا كنت بتدافع عن مراتك وخلاص؟

نزل عينه في الأرض، ومراته دخلت في الكلام بسرعة وقالت: يا ستي ما خلاص بقى! هو أنا كنت أعرف إنك هتعملي كل الدوشة دي؟ ما أنا بعتالهم هدوم أهو، بدل ما يفضلوا من غير هدوم في البرد!

بصيتلها وقلت: أنا ما طلبتش منك هدوم، ولا طلبت منك جنيه واحد. ولو كنتي عايزة تساعدي بجد، كنتي جيتي ليا بنفسك، أو كلمتيني بيني وبينك، مش تبعتي عيالك يقولوا لعيالي إنهم بياخدوا بواقي لبسهم عشان أمهم مش معاها فلوس. إنتي مش بس أهنتيني أنا، إنتي كسرتي نفس طفلين مالهمش ذنب في أي حاجة.

سالم اتنرفز وقال لمراته: خلاص يا سعاد، اعتذري لهبة وللعيال، ونقفل الموضوع.

سعاد بصتله بصدمة وقالت: أعتذر؟ أنا؟ هو أنا عملت اي ؟!

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى