قصص و روايات

جوزي

المال الذي يحاولون سحبه لا يخص هبة وحدها وهناك شيء يخفونه عنك منذ شهور. خرجت من تطبيق الرسائل بسرعة وكأن الكلمات قد يدي. أعدت قراءة الرسالة مرة ثم مرة ثانية. هناك شيء يخفونه عنك منذ شهور. رفعت رأسي ببطء نحو الشارع المزدحم أمامي. السيارات تمر، والناس تتحرك بشكل طبيعي، بينما كنت أشعر أن الأرض تميد تحت قدمي.
كان سليم نائمًا على كتفي من شدة البكاء والتعب. ضممته إليّ أكثر، ثم نهضت ببطء. لم أكن أعرف إلى أين أذهب.

لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط لن أعود إلى ذلك البيت الآن. كان وجهي . استوقفت سيارة أجرة واتجهت إلى مستشفى قريب. كنت فقط أحتاج إلى مكان أجلس فيه بعيدًا عنهم ومكان يخفف هذا  في وجهي. جلست في قسم الاستقبال بينما كانت الممرضة تضع كريمًا على وجهي بهدوء. كانت تتحرك بحذر شديد، وكأنها تخشى أن أكثر.
ثم سألتني بعدما رفعت عينيها نحوي هل حدث شجار في المنزل؟ ترددت لحظة. ونظرت إلى سليم النائم بجواري، قبل أن

أقول الكذبة المعتادة بسيط. هزّت رأسها بصمت، وكأنها سمعت هذه الجملة كثيرًا من قبل. بعد دقائق جلست وحدي في الممر الطويل، أحاول تهدئة رأسي، لكن هاتفي لم يتوقف عن الاهتزاز. رأفت يتصل. هبة تتصل. حتى حماتي أرسلت رسالة تقول فيها المرأة العاقلة لا بيتها بسبب صغيرة. أغلقت الهاتف دون رد. وفجأة وصلت رسالة جديدة من الرقم المجهول. إذا أردتِ فهم الحقيقة راجعي كشف حسابك خلال الأشهر الأخيرة. شعرت بقشعريرة خفيفة. فتحت تطبيق البنك ببطء. في البداية لم

ألاحظ شيئًا غريبًا. لكن مع التدقيق بدأت أرى أمورًا لم أنتبه لها من قبل. دفعات كيف لم أرَ كل هذا؟ لكن الحقيقة أنني كنت أراه وأختار تصديق . كل مرة كان رأفت يقول الأمور مؤقتة. وكل مرة كانت حماتي تبكي هبة تمر بظروف صعبة.
وكل مرة كانت هبة تعدني
سأعيد لكِ كل شيء حين تتحسن أحوالي.
لكن لا شيء عاد أبدًا.
رن الهاتف فجأة.
رقم مجهول.
ترددت قليلًا ثم أجبت.
جاءني صوت امرأة هادئ ومتردد
الأستاذة أميرة؟
اعتدلت في جلستي فورًا.
نعم من معي؟
سكتت لحظات قبل أن تقول
أنا صاحبة الرسائل.
تسارعت دقات قلبي.
من أنتِ؟
قالت بصوت منخفض
اسمي نادين وأرجوكِ لا تسألي كيف حصلت على رقمك.
قبضت على الهاتف بقوة.
لماذا تفعلين هذا؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت بهدوء حزين
لأنني مررت بشيء يشبه ما تمرين به الآن.
شعرت بأنفاسي تتباطأ.

قبل سنوات اكتشفت أن أختي سكتت قليلًا ثم أضافت رأيتكِ اليوم حين حاولوا الدفع ببطاقتك وشعرت أن يتكرر.
لم أعرف ماذا أقول. تابعت نادين  أنا أعمل في معرض الأثاث الذي تعامل معه زوجك أكثر من مرة.
شعرت ببرودة تسري داخلي.
ماذا تقصدين؟
قالت
منذ حوالي شهرين وهو يشتري أثاثًا وأجهزة جديدة.
سكتت لحظة قبل أن تضيف
وكانت أغلب الفواتير باسمك أنتِ.
أغمضت عيني ببطء.
تذكرت ذلك اليوم حين أخذني رأفت لاختيار نوم جديدة.
وقتها قال إننا سنجدد بعد سنوات من التأجيل.
ثم عاد بعد أيام وأخبرني أن الأسعار ارتفعت وأنه ألغى الطلب.
أما الآن
فهمت أين ذهب الأثاث.
سألتها بصوت أجابت
في مدينة نصر.
مدينة نصر.
بعيدة تمامًا عن بيتنا.
بعيدة لدرجة تجعل كل شيء هناك مقصودًا.
ثم أضافت بهدوء
وفي كل مرة كان يأتي معها امرأة.
شعرت بأن قلبي انقبض فجأة.
لكن عقلي رفض التصديق.
رأفت قد يكون أنانيًا نعم.
وقد يكون مستغلًا نعم.
لكن هل يمكن أن يكون متزوجًا فعلًا؟
ومتى حدث ذلك؟
وكيف لم أشعر؟
أغلقت المكالمة وأنا أشعر بدوار خفيف.
وفي اللحظة نفسها مرت أمامي امرأة تحمل طفلتها الصغيرة وتضحك معها.
توقفت عيناي عند طويلًا.
ثم تذكرت نفسي قبل سنوات.
حين كنت أضحك بالطريقة نفسها.
حين
كنت أظن أن الزواج أمان.
وأن الصبر يصنع المعجزات.
وأن الحب وحده يكفي.
رن هاتفي مجددًا.
هذه المرة كانت رسالة صوتية من رأفت.
فتحتها دون تفكير.
جاءني صوته متوترًا وغاضبًا
أميرة، كفى عنادًا وعودي إلى البيت.
الناس بدأت تسأل عنكِ.
وأمي تعبت بسبب ما فعلته.
ثم صمت لحظة قبل أن يقول بنبرة أخفض
وإذا ضاع ما نحاول إنجازه فلن يتحمل أحد النتيجة.
أغلقت التسجيل فورًا.
ما نحاول إنجازه.
مرة أخرى يتحدث بصيغة الجمع.
شيء أكبر من مجرد مساعدة لهبة.
شيء يُخفى عني منذ وقت طويل.
نظرت إلى سليم النائم بجواري.
كان لعبته الصغيرة وكأنه يخشى أن يأخذها أحد منه.
وفجأة شعرت بخوف حقيقي.
ليس على نفسي بل عليه هو.

ماذا لو كبر في بيت يرى أمه تُهان كل يوم؟
ماذا لو اعتاد الصمت مثلي؟
ماذا لو ظن أن هذا طبيعي؟
شعرت بغصة في صدري.
خرجت من المستشفى بعد المغرب، واستأجرت شعرت لأول مرة منذ سنوات أنني أتنفس دون خوف.
وضعت سليم على السرير، ثم جلست على الأرض أراجع كشف الحساب مرة أخرى.
كل شيء بدأ يتضح أمامي.
تحويلات متكررة.
أقساط.
تشطيبات.
شراء أثاث.
ثم توقفت فجأة عند عملية قديمة.
بيع ذهب.
اتسعت عيناي ببطء.
دخلت إلى تفاصيل العملية.
المبلغ كان يطابق تقريبًا ثمن شبكتي التي اختفت قبل أشهر.
في ذلك الوقت أخبرني رأفت أن الذهب محفوظ عند والدته خوفًا من .
وضعت يدي على فمي.
حتى ذهبي

شعرت برغبة في البكاء، لكن لم تنزل.
كنت متعبة أكثر من أن أبكي.
وفجأة
وصلتني صورة من نادين.
فتحتها ببطء، وفي اللحظة
التالية شعرت
بأن العالم توقف حولي.
ستائر جديدة.
وأجهزة لم أستطع شراء مثلها لبيتي يومًا.
كان إطار الصورة الموضوع فوق الكومود.
اقتربت من الصورة أكثر.

علبة ذهبي أنا. بعدها بثوانٍ فقط، أرسلت نادين رسالة قصيرة تقول أعتقد أن من حقكِ أن تعرفي أين ذهبت أموالك.
ظللت أحدق في الصورة وقتًا طويلًا دون أن أتحرك. كانت يداي ترتجفان ببطء، بينما شعرت وكأن شيئًا ثقيلًا ينهار داخلي قطعة بعد أخرى. لم تكن الصدمة في وجود امرأة أخرى فقط بل في التفاصيل نفسها. الستائر التي اخترتها أنا ذات يوم، ثم أخبرني رأفت أنها باهظة الثمن. الثلاجة التي قال إننا لا نستطيع شراء مثلها الآن.  التي دفعت مقدمها من راتبي وأنا أظن أنها .
كل شيء كان هناك في بيت امرأة أخرى. أغلقت الصورة بسرعة، ثم وضعت الهاتف جانبًا كأنني أخشى لمسه.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى