
بعد اللي حصل، البيت في ما بقاش هو هو. ما بقاش مملكة إحسان اللي بتترعب منها الناس، ولا بقى سجن ليا. البيت بقى أهدى، كأن العاصفة اللي مرت علينا نضفت كل الزوايا المتربة اللي كانت مستخبية. إحسان بعد ما اتكشفت كل ألاعيبها، دخلت في حالة صمت طويلة، مش صمت ضعف، لكن صمت مراجعة نفس. بدأت أشوفها بتصلي كتير، وبتقعد ساعات قدام شباك غرفتها بتبص للشارع، من غير ما تتدخل في حياة حد، ومن غير ما تطلب من حد يخدمها.
في يوم، لقيت إحسان طالعة لي شقتنا، ومعاها صندوق قديم. خبطت بخجل، ولما فتحت لها، لقيتها بتسلم عليا وبتقول يا مريم، أنا عارفة إن اللي عملته فيكي سنين مايتغفرش، وإن الاعتذار بكلمة مابيمسحش الوجع. بس عايزة أوريكي حاجة.
-
حكايات زهره 1و2منذ ساعتين
-
مصيف الكاتبه امانى سيد 1و2منذ ساعتين
-
محمود حميدةمنذ ساعتين
-
امجد يوسفمنذ ساعتين
فتحت الصندوق، كان فيه دهب، وفيه عقود، وفيه مذكرات مكتوبة بخط قديم. طلعت دبلة ذهب قديمة وقالت دي دبلة جوازي أنا وصبري. كانت هي الحاجة الوحيدة اللي بملكها بجد، وكل اللي بنيته بعد كدة كان وهم. أنا بكتب البيت ده باسمك واسم محمود، وبنقل كل اللي فاضل من حساباتي لمشروع بانكيتات اللوبيت بتاع مامتك، عشان تكون هي صاحبة الحق، وأنا مجرد شغيلة عندها لو قبلت.
دمعت عيني. ماكنتش بدمع عشان الدهب ولا البيت، كنت بدمع عشان القلب القاسي اللي اتكسر، واتصلح، وبقى حنين. قلت لها يا طنط، أنا مش عايزة ملك ولا فلوس، أنا بس كنت عايزة كلمة طيبة، عايزة أتحسس إني بني آدمة مش أداة. لو عايزة تعوضيني بجد، خليكي جدة طيبة ل صبري الصغير، وعلميه إنه لا يظلم ولا يتهان.
إحسان مسكت إيدي وبستها، وقالت بصوت متهدج هحاول.. هحاول أكون الست اللي ماكنتش عارفة أكونها.
بدأت أميرة ماما تشتغل مع إحسان، بس المرة دي كشركاء. بانكيتات اللوبيت توسع وبقى ليه اسم كبير، وإحسان بقت هي مديرة العلاقات العامة، بتستخدم ذكائها اللي كان مدفون في الشر، في الخير. بقت بتجبر بخاطر العرايس الغلابة، بتعمل لهم خصومات، وبتشرف على الأكل بنفسها، وبقت كل ما تشوف عروسة بتفكرها بيا، بتعمل لها خصم مخصوص، وكأنها بتكفر عن ذنبها في كل مرة.
محمود اتغير تماماً. بقى راجل بيتوتي، بيقدر قيمة بيته، وبيقدر تعبي. بقى بيقف في المطبخ معايا، بنعمل الأكل سوا، بنضحك، وبنتناقش في قصصي اللي بكتبها. بقيت مريم الكاتبة، اللي صوتها مسموع، واللي عندها آلاف المتابعين بيستنوا كل حكاية بكتبها عن الكرامة، والاعتراف بالحق، وقوة الست المصرية اللي مابتهدش.
في يوم، قررت أعمل عزومة كبيرة في الجنينة اللي حصل فيها كل الظلم. عزمت فيها كل اللي كانوا بيحضروا الفرح اللي اتلغى. عزمت الفقراء، والمحتاجين، وأصحاب الحقوق اللي إحسان أكلت عليهم فلوس قبل كده، والكل جه، والكل أكل من أكل ماما أميرة.
إحسان وقفت قدام الكل، وبكل شجاعة، اعتذرت. ماخبّتش حاجة، حكت إزاي كانت مريضة بالمظاهر، وإزاي فقدت ابنها وثقته عشان تتباهى. والناس، بطبيعة المصريين، لما بيشوفوا التوبة الصادقة، بيسامحوا. سمعت تصفيق حار، وسمعت دعوات لها بالتوفيق.
أنا واقفة جنب محمود، شايلة ابني صبري، وباصة للقمر اللي منور الجنينة. اتأملت السنين اللي فاتت، كل دمعة نزلت، كل طبق اتغسل، كل إهانة اتوجعت منها.. عرفت إن كل ده كان طريق عشان أوصل ل مريم اللي أنا عليها دلوقتي.
الحياة مش دايمًا سهلة، والأهل ممكن يكونوا أكبر وجع، بس برضه ممكن يكونوا أعظم درس. المهم إننا ما نكسرش نفسنا، وما نرضاش بقلة القيمة. الست المصرية أصيلة، بس أصلها لازم يبدأ بنفسها أولاً.
أنا، مريم، ما بقتش مجرد مرات ابن بتغسل أطباق في المطبخ. أنا بقيت قصة بحد ذاتها، قصة إلهام لكل ست بتعاني في صمت. والنهارده، وأنا بقفل مذكراتي، وبقفل الفصل الأخير، بحس بسلام داخلي ماحستش بيه قبل كده.
الدرس الأخير يا بنات عيشي حياتك بكرامة، واكتبي قصتك بإيدك، ولو الدنيا قفلت في وشك المطبخ، افتحي منه باب للعالم كله، المهم.. ما تسمحيش لأي حد، مهما كان مين، إنه يحسسك إنك مجرد شيء.
وخلصت الحكاية، بس الحكايات في مصر مابتخلصش.. بتفضل دايماً حكايات مريم، بطلة كل بيت، ورمز كل ست عرفت تجيب حقها.
النهاية








