
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي. خبطت الباب وفتحته. الاتنين بصوا ناحيتي. شريف وشه اتغير. والست فضلت واقفة مكانها. كانت في أواخر التلاتينات تقريبًا. هادية جدًا. والريحة اللي مالية الشقة… هي نفس ريحة أول برفان وصلني من سنين. بصيت لشريف:
— مين دي؟
قال بسرعة:
— ندى، اسمعيني.
الست قاطعته:
— لأ. كفاية إنها تسمع منك.
وبعدين بصتلي:
— أنا اللي كنت ببعت الهدايا.
قلت:
— ليه؟
ردت:
— لأنها مكنتش ليكي.
بصيت لشريف. قال بعصبية:
— اسكتي!
لكنها كملت:
— كل هدية كانت بتفكره بحاجة بينا.
سألتها:
— بينكم من إمتى؟
سكتت لحظة. ثم قالت:
— من قبل جوازكم.
حسيت إن الكلام نزل فوق راسي. شريف قال:
— العلاقة انتهت من زمان.
ردت عليه:
— انتهت؟ قول لها آخر مرة كنت هنا إمتى.
بصيتله. ما ردش. هي قالت:
— من أقل من شهر.
حطيت إيدي على الحيطة. 11 سنة جواز. 8 سنين هدايا. وفي كل مرة كان واقف جنبي بيفتحها معايا وكأنه مايعرفش حاجة. قلت:
— ليه كنتي بتبعتيهم لبيتي؟
قالت:
— في الأول كنت ببعتها عشان أوصله رسالة من غير ما أكلمه مباشرة. كنت فاكرة إنه لما يشوفها هيفتكر وعده ويختار.
— وعده بإيه؟
راحت ناحية درج صغير وطلعت ظرف. مدتهولي. جواه صورة قديمة ليها مع شريف. وعلى ضهر الصورة كان مكتوب بخط شريف:
«استنيني. مهما حصل، في النهاية هنكون مع بعض.»
التاريخ كان قبل جوازنا بشهور.
قلت:
— وبعدين؟
قالت:
— بعد كام سنة فهمت إنه مش هيختار. لكنه في نفس الوقت مكنش بيسيبني أبدأ حياة جديدة.
بصيتلها:
— يعني إنتِ عارفة إنه متجوز وعنده أطفال، ومع ذلك كملتي؟
نزلت عينيها:
— أيوه. وأنا مش هبرر ده.
لأول مرة حسيت إني مش محتاجة أسمع أعذار من أي واحد فيهم. سألت شريف:
— ليه كنت بتتهمني أنا كل مرة؟
قال:
— كنت خايف تسألي أكتر.
الجملة دي كانت أبشع من أي اعتراف. مش بس لأنه كان بيخدعني.. لكن لأنه كان مستعد يخليني أشك في نفسي عشان يحمي سره.
قلت:
— والتذكرة؟ والمفتاح؟ والصورة؟
الست بدأت تشرح. التذكرة كانت من أول فيلم دخلوه سوا. المفتاح كان نسخة من مفتاح شقة قديمة كانوا بيتقابلوا فيها. وكان أول حرف من اسم مستعار كانوا بيستخدموه في رسائلهم القديمة.
قلت:
— وآخر هدية؟ ليه قررتي تخليني أوصل للشقة؟
بصت لشريف:
— لأنه من شهر قال لي إنه هيسيب البيت بعد عيد جوازكم.
اتلفت له:
— إيه؟
صرخ:
— كنت بقول كلام عشان أخلص من الضغط!
قالت:
— ودي مش أول مرة.
وبعدين فتحت موبايلها وحطته قدامي. رسائل. سنين من الرسائل. مواعيد. وعود. اعتذارات. وفي وسطهم رسالة من شريف قبل أسابيع:
«استني لحد عيد الجواز. بعدها كل حاجة هتتغير.»
رفعت الموبايل وبصيتله:
— كنت ناوي تعمل إيه بعد عيد جوازنا؟
قال:
— والله ما كنت هسيبك.
ضحكت. لأول مرة من ساعة ما دخلت الشقة. قلت:
— الغريب إنك فاكر الجملة دي تطمني.
سيبتهم ومشيت. شريف جري ورايا على السلم:
— ندى، عشان الأولاد.
وقفت. لفيتله:
— ماتستخدمش الأولاد عشان تهرب من اللي عملته.
قال:
— غلطت.
قلت:
— الغلطة بتحصل مرة. إنما إنت كنت بتصحى كل يوم لمدة سنين وتختار تكمل.
رجعت بيتي. جمعت أوراقي المهمة، واحتفظت بالرسائل والصور المتعلقة بالموضوع، وبعدها طلبت مساعدة قانونية عشان أعرف حقوقي وأتعامل مع الوضع بطريقة هادئة تحفظ مصلحة أولادي.
الأيام اللي بعدها كانت صعبة. شريف حاول يعتذر. مرة بكى. مرة اتعصب. ومرة قال إن الست هي اللي كانت بتطارده. لكن كان فيه سؤال واحد بقوله كل مرة:
— مين اللي كان بيرد عليها؟
وكان يسكت.
بعد أسابيع، حصلت المفاجأة الأخيرة. وصلني طرد. افتكرت إنها هدية جديدة. لكن لما فتحته، لقيت كل الهدايا القديمة اللي كنت سبت جزءًا منها في الشقة يوم المواجهة، ومعاها ظرف. جواه ورقة واحدة من الست. مكتوب فيها:
«أنا مش بطلب منك تسامحيني. أنا شاركت في أذيتك، ومفيش عذر يغير ده. فضلت سنين أعتبرك العقبة بيني وبينه، لحد ما فهمت متأخر إن المشكلة عمرها ما كانت إنتِ. الشخص اللي قدر يعيش حياتين كل السنين دي كان بيخدعنا إحنا الاتنين، لكن ده مايمسحش مسؤوليتي عن اللي عملته.»
وفي آخر الورقة:
«دي آخر مرة هيوصلك مني شيء.»
قفلت الظرف. والمرة دي فعلًا… ماوصلتش هدية في عيد جوازنا اللي بعده. لأن ماكانش فيه عيد جواز أصلًا. بعد ما رتبت أموري واتخذت قراري، انتهت علاقتي بشريف رسميًا. أما هو والست؟ معرفش كملوا مع بعض ولا لأ. وبصراحة… بطلت أهتم.
احتفظت بحاجة واحدة بس من الهدايا. المفتاح الصغير. مش لأنه بيفكرني بشريف.. ولا بيها. لكن لأنه بيفكرني بحاجة اتعلمتها بالطريقة الصعبة: أحيانًا بنفضل سنين واقفين قدام باب مقفول، مستنيين حد يقول لنا الحقيقة.. مع إن المفتاح كان قدامنا طول الوقت.
كل اللي كان ناقص… إننا نبطل نصدق الأعذار، ونبدأ نجمع العلامات جنب بعض.
تمت.
بقلم الكاتبة: أسما السيد — حصري.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




