قصص و روايات

في ليلة فرح ابنى

كنت هديها الشقة وأنا فرحانة، ويمكن كنت هكتب لها جواب صغير أقول لها فيه إنها بقت بنتي وإن البيت بيتها.

لكن بعد اللي حصل، ما بقيتش قادرة أتخيل إني أسلم أغلى حاجة تعبت فيها لواحدة شايفاني أقل منها.

ومع ذلك، ما كنتش عايزة أظلمها.

كنت عايزة الحقيقة كاملة.

بعد ما الحفلة خلصت، رجعنا البيت أنا ومحمود، وكريم وصل نادين لبيت أهلها بناءً على طلبها، وقال إنه هيرجع يقعد معانا شوية.

أول ما دخلنا البيت، محمود قعد على الكنبة وخلع جاكته، وبص لي وقال:

«أنا عارف إنك موجوعة.»

قعدت جنبه، وحطيت شنطتي على الترابيزة.

«أنا مش موجوعة من الشقة يا محمود. ولا من الفلوس. أنا موجوعة من الطريقة اللي بصتلي بيها. كأنها كانت مستنية تشوف أنا هديها إيه علشان تحدد قيمتي.»

محمود مسك إيدي.

«إنتِ طول عمرك قيمتك في نفسك، مش في اللي بتديه للناس.»

ابتسمت بحزن.

«عارف يا محمود؟ أنا لما اشتريت الشقة دي، كنت بفكر في كريم. كنت عايزة أريحه من الإيجار، وأخليه يبدأ حياته من غير ما يضطر يستلف من حد. وكنت بفكر في نادين كمان. قلت البنت لما تدخل بيت جديد وتحس إن فيه أمان، هتكون مرتاحة.»

قال:

«وده كان من طيبة قلبك.»

قلت:

«يمكن أنا غلطت لما قررت أدي هدية كبيرة من غير ما أقول لابني. يمكن كان المفروض أفكر أكتر.»

هز راسه.

«لا يا صافي. المفاجأة مش غلط. الغلط إن حد يحول هديتك لحق مكتسب، ويزعل لما ما ياخدهاش.»

فضلنا ساكتين شوية.

وبعدين فتحت شنطتي وطلعت عقد الشقة، وحطيته قدامي.

محمود بص لي وقال:

«هتعملي إيه دلوقتي؟»

قلت:

«مش هعمل أي حاجة النهارده. هسيب كريم يهدى، وأفكر بهدوء.»

لكنه قال:

«خلي بالك من حاجة. إنتِ مش مطالبة تثبتي إنك غنية، ولا إنك متعلمة، ولا إنك تقدري تشتري شقق ودهب. اللي يحترمك، يحترمك من غير كل ده.»

الجملة دي فضلت ترن في ودني.

أنا فعلًا ما كنتش محتاجة أثبت حاجة لأي حد.

طول عمري كنت بختار أعيش ببساطة، رغم إني كنت أقدر أعيش بطريقة مختلفة تمامًا.

الناس كانت شايفاني ست بيت، وكنت فخورة بده.

لكن محدش كان يعرف إن حياتي ما كانتش مجرد مطبخ وطلبات بيت.

قبل ما أتجوز محمود بسنين طويلة، كنت بدرس اللغات، واشتغلت فترة في الترجمة، وسافرت مع والدي في شغله، واتعلمت من تجاربي أكتر بكتير مما كنت أتخيل.

بعد الجواز، لما كريم اتولد، قررت أركز مع بيتي وابني.

ما كانش قرار ندمانة عليه يومًا.

لكن ده ما معناهش إني نسيت اللي اتعلمته، ولا إن بساطتي معناها إني مش بفهم.

وأكتر حاجة وجعتني إن نادين حكمت عليا من شكلي وهدوئي، من غير ما تعرف أنا مين.

بعد حوالي ساعة، سمعت صوت المفتاح في الباب.

كريم دخل، ووشه كان مرهق.

قرب مني وباس راسي، وقعد على الكرسي المقابل.

قال:

«ماما، أنا آسف.»

بصيت له.

«على إيه يا حبيبي؟»

«على اللي حصل في الفرح. كان المفروض أكون واخد بالي أكتر.»

مسكت إيده.

«إنت ما كنتش تعرف هي قالت إيه.»

قال:

«يمكن. بس أنا عارف إنك ما كنتيش هتعملي مشكلة من غير سبب.»

سكت لحظة، وبعدها سألني:

«إنتِ فعلًا بتتكلمي ألماني؟»

ابتسمت.

«أيوه يا حبيبي.»

رفع حاجبه باستغراب.

«إنتِ بتتكلمي ألماني بجد؟»

ضحكت لأول مرة من قلبي من بداية الليلة.

«أيوه، وبالإيطالي والفرنساوي والإنجليزي والإسباني والتركي والروسي والعربي طبعًا.»

فضل باصص لي، وبعدها قال:

«أنا عمري ما كنت أعرف إنك بتتكلمي كل اللغات دي.»

قلت له:

«لأنك عمرك ما سألتني يا كريم.»

ابتسم بحرج.

«عندك حق.»

وبعدين رجع وشه للجدية.

«ماما، هي قالتلك إيه بالضبط؟»

بصيت له شوية، وبعدها قلت:

«قالتلي إني عجوزة وجاهلة، وإنّي مش عارفة مقامي. ولما اديتها الظرف، قالت إني بخيلة.»

كريم نزل عينيه للأرض.

ما اتكلمش فترة طويلة.

وبعدين قال:

«أنا مش عارف أقولك إيه.»

قلت له:

«ما تقولش حاجة. أنا مش عايزاك تدخل في خناقة مع مراتك علشاني. أنا بس عايزاك تبقى فاهم إن الاحترام مش حاجة بنطلبها بعد ما نتخانق، الاحترام لازم يكون موجود من البداية.»

قال:

«أنا هتكلم معاها.»

هزيت راسي.

«اتكلم معاها، بس ما تدخلش علشان تجبرها تعتذر. أنا مش عايزة اعتذار بالإكراه. أنا عايزاها تفهم هي عملت إيه.»

كريم سكت، وبعدها قال:

«وفيه حاجة تانية لازم تعرفيها.»

حسيت إن قلبي دق أسرع.

«إيه يا حبيبي؟»

طلع موبايله من جيبه، وفتح رسالة كانت جاية له من رقم نادين.

قال:

«هي بعتتلي الرسالة دي وأنا في الطريق.»

مد لي الموبايل.

كانت الرسالة بتقول:

«كريم، أنا مش هقدر أعيش في بيت كل حاجة فيه بتتقرر على مزاج والدتك. لازم نفهم من دلوقتي إن ليا حقوق، وإن الشقة اللي اتكلمت عنها لازم تكون باسمي، لأن أنا مش هبني حياتي على وعود.»

فضلت باصة للرسالة.

ما كانش فيها أي اعتذار.

ولا حتى سؤال عني.

قلت لكريم:

«إنت رديت عليها؟»

قال:

«لأ. كنت عايز أتكلم معاك الأول.»

رجعت له الموبايل وقلت:

«إنت اللي هتحدد شكل حياتك يا كريم. أنا مش هقولك تتجوز مين ولا تعيش إزاي. لكن لازم تعرف إن أي بيت بيتبني على الشروط والضغط من أول يوم، هيتعب أصحابه بعد كده.»

كريم هز راسه.

وبعدين قال:

«أنا بحبها يا ماما، ومش عايز أظلمها.»

ابتسمت له بحنان.

«ولا أنا عايزاك تظلمها. الحب مش معناه إننا نتجاهل الغلط، ولا إننا نحكم على حد من موقف واحد. ادّي نفسك فرصة تفهمها، وهي كمان لازم تدّي نفسها فرصة تفهمك.»

قام من مكانه، وحضنني.

«ربنا يخليكي ليا.»

ولما خرج من الأوضة، فضلت باصة لعقد الشقة.

كنت لسه ما أخدتش قرار نهائي.

لكن اللي حصل في الفرح خلاني أفهم إن الهدية اللي كنت مجهزاها بحب، ممكن تتحول من نعمة إلى سبب خلاف، لو الناس فهمت معناها غلط.

تاني يوم الصبح، صحيت بدري كعادتي.

عملت القهوة، وقعدت في البلكونة أراجع حسابات الشقة والأوراق اللي كنت محتفظة بيها.

الشقة دي ما جتش بسهولة.

كنت جمعت تمنها على مدار سنين من شغلي في الترجمة والاستشارات اللغوية، ومن شوية استثمارات بسيطة عملتها بعقل وحساب.

محمود كان عارف كل التفاصيل، وكان دايمًا يقولي إننا لازم نأمن مستقبلنا ونسيب لأولادنا حاجة تساعدهم.

لكن أنا ما كنتش بعتبر الشقة مجرد عقار.

كنت شايفاها بداية جديدة لابني.

مكان يرجع له بعد الشغل، يلاقي فيه راحته، ويبدأ فيه حياته الزوجية بعيد عن ضغوط الإيجار والمصاريف.

وفجأة، موبايل البيت رن.

رديت، لقيت صوت فؤاد، والد نادين.

قال بأدب:

«صباح الخير يا مدام صافي. معلش هزعجك شوية.»

قلت:

«صباح النور يا أستاذ فؤاد. اتفضل.»

تنهد وقال:

«أنا حابب أعتذرلك عن اللي حصل امبارح. بصراحة، أنا اتفاجئت زيك، وما كنتش أعرف إن سوسن هتدخل في الموضوع بالشكل ده.»

قلت:

«حصل خير يا أستاذ فؤاد.»

لكنه كمل:

«فيه حاجة تانية عايز أقولها لك، ويمكن الكلام ده يضايقك، بس أنا شايف إن من حقك تعرفي.»

قلبي اتقبض.

«خير؟»

قال:

«نادين كانت بتتكلم عن الشقة من فترة. كانت بتقول إن كريم هيعيش في شقة مملوكة لأهله، وإنها نفسها يكون ليها ضمان في حياتها الجديدة.»

سكت لحظة، ثم أضاف:

«أنا كنت فاكر إنها بتتكلم عن شقة كريم اللي هيعيشوا فيها، ما كنتش أعرف إن فيه عقد باسمك، ولا إنك ناوية تديهولهم.»

قلت:

«هي قالتلك الكلام ده إمتى؟»

رد:

«من حوالي أسبوعين. وبعدها سوسن بدأت تتكلم عن الهدية، وإن المفروض أم العريس تعمل حاجة كبيرة تليق بمقام بنتها.»

غمضت عيني للحظة.

أسبوعين.

يعني قبل الفرح بوقت طويل، كان فيه كلام عن الشقة والهدية.

سألته:

«طيب، هل نادين قالتلك إنها عايزة الشقة باسمها؟»

اتردد شوية.

«هي قالت إن الأفضل إن الشقة تكون باسمها وباسم كريم، علشان يبقى ليها أمان. وأنا قلتلها إن دي حاجة ترجع لكوا، وإن محدش يفرض على حد هدية.»

شكرته، وقفلت المكالمة.

فضلت قاعدة مكاني، وبحاول أرتب الأفكار.

أنا كنت أقدر أتفهم خوف أي بنت من المستقبل، خصوصًا لو هتبدأ حياة جديدة.

وكنت أقدر أتفهم إنها عايزة تحس بالأمان والاستقرار.

لكن فيه فرق كبير بين إن الإنسان يطلب الأمان باحترام، وبين إنه يعتبر أموال غيره حق مكتسب ليه.

بعد الظهر، كريم اتصل بيا وقال إنه عايز ييجي يقعد معايا ومع محمود.

وافقنا.

وصل بعد ساعة، وكان لوحده.

قعدنا في الصالون، وبعد شوية قال:

«أنا اتكلمت مع نادين الصبح.»

محمود سأله:

«والكلام وصل لإيه؟»

كريم مسح وشه بإيده.

«هي شايفة إن اللي حصل امبارح كله سوء تفاهم، وإنها ما كانتش تقصد تهين ماما.»

بصيت له وقلت:

«طيب، وإنت شايف إيه؟»

رد:

«أنا شايف إن فيه حاجات لازم تتوضح قبل ما نبدأ حياتنا.»

وبعدين طلع ورقة من جيبه، وحطها على الترابيزة.

قال:

«دي رسالة كتبتها نادين، وبعتها لي بعد ما اتكلمنا.»

فتحت الورقة وبدأت أقرأ.

كانت بتقول إنها آسفة لو طريقتها اتفهمت غلط، وإنها كانت متوترة بسبب الفرح، وإنها ما كانتش تقصد تقلل مني.

لكن في آخر الرسالة، كتبت جملة واحدة:

«أتمنى إن موضوع الشقة ما يأثرش على علاقتنا، لأننا محتاجين نحدد مستقبلنا من دلوقتي.»

رجعت الورقة لكريم.

قلت:

«هي اعتذرت عن إيه تحديدًا؟»

كريم رد:

«عن سوء التفاهم.»

قلت:

«لكن هل اعترفت إنها شتمتني؟»

سكت.

وبعدين قال:

«لأ.»

محمود اتكلم لأول مرة:

«يا كريم، محدش فينا عايز يبوظ حياتك. لكن لازم تبدأها وإنت عارف إن الصراحة أهم من أي حاجة.»

كريم هز راسه.

«أنا عارف يا بابا.»

وبعدين بص لي وقال:

«ماما، أنا قررت إني مش هاخد الشقة دلوقتي.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى