
اتصدمت.
«ليه يا حبيبي؟»
قال:
«علشان مش عايز أي حد يحس إن الجوازة دي اتبنت على فلوس أو هدايا. أنا هبدأ حياتي مع نادين على قد إمكانياتي، ولما أقدر أجيب شقة بنفسي هعمل كده.»
حسيت بالفخر والحزن في نفس الوقت.
قلت له:
«الشقة دي مش صدقة يا كريم، دي هدية من أمك.»
رد:
«عارف يا ماما. وأنا عمري ما هنسى إنك فكرتي فيا. لكن أنا محتاج أكون متأكد إن نادين اختارتني أنا، مش الحياة اللي ممكن أوفرها لها.»
محمود ابتسم وربت على كتفه.
«ده كلام راجل مسؤول.»
لكن كريم ما كانش خلص كلامه.
قال:
«وفيه حاجة تانية. أنا عايز أقابل نادين وأمها وأبوها، ونقعد كلنا مع بعض. من غير فرح ولا معازيم ولا ضغط. نتكلم بصراحة.»
وافقت.
«أنا موجودة يا حبيبي.»
وبعد يومين، اتفقنا على ميعاد في بيت أهل نادين.
كنت عارفة إن القعدة دي مش هتكون سهلة.
لكن ما كنتش متخيلة إن أول ما أدخل البيت، هلاقي نادين قاعدة قدام اللابتوب، وعلى الشاشة ملف مفتوح فيه صور للشقة، ومعلومات عن سعرها ومكانها.
ولما شافتني، قفلت الشاشة بسرعة.
بصيت لها، وبعدها بصيت لكريم.
وساعتها عرفت إن فيه فصل جديد من الحكاية لسه ما اتكتبش.
قعدنا في الصالون، وكان الأستاذ فؤاد موجود، وسوسن قاعدة جنبه، ونادين في الناحية التانية.
كريم بدأ الكلام بهدوء:
«أنا طلبت القعدة دي علشان نبدأ حياتنا من غير أسرار ولا خلافات.»
سوسن ردت:
«إحنا ما عندناش أسرار. كل اللي حصل إن فيه سوء تفاهم بسيط، وكان ممكن ينتهي من غير كل ده.»
قلت لها:
«أتمنى فعلًا يكون سوء تفاهم.»
نادين بصت لي وقالت:
«أنا اعتذرت لحضرتك يا طنط، ومش فاهمة ليه الموضوع لسه مفتوح.»
سألتها:
«إنتِ اعتذرتي عن إن كلامك اتفهم غلط، ولا اعتذرتي عن الكلام اللي قلتيه فعلًا؟»
وشها احمر.
«أنا ما شتمتكيش.»
رديت بهدوء:
«طيب، إنتِ قلتي إيه بالألماني؟»
سكتت.
كريم اتدخل:
«نادين، أنا مش عايز خناقة. أنا عايز إجابة واضحة.»
نادين بصت لأمها، لكن أمها ما اتكلمتش.
بعد لحظات، قالت نادين:
«أنا كنت متضايقة، وقلت كلام ما كانش المفروض أقوله.»
الجملة دي كانت أول اعتراف حقيقي منها.
ما قاطعتهاش.
كملت:
«بس أنا ما كنتش أقصد أجرحك.»
قلت لها:
«حتى لو كنتِ متضايقة، كان ممكن تتكلمي معايا. كان ممكن تقوليلي إنك مش مرتاحة، أو إن فيه حاجة مضايقاكي. لكن إنك تشتميني بلغة إنتِ فاكرة إني ما بفهمهاش، فده معناه إنك كنتِ متعمدة تخبي إهانتك ورا لغة أجنبية.»
نادين نزلت عينيها.
أما سوسن فقالت:
«خلاص يا مدام صافي، البنت اعترفت إنها غلطت. نعتبر الموضوع انتهى.»
قلت:
«أنا مش ضد إن الموضوع ينتهي. بالعكس، ده اللي أتمناه. لكن فيه حاجة لازم تبقى واضحة من البداية: أنا مش هقبل إن حد يقلل مني، وفي نفس الوقت مش هقلل من حد.»
فؤاد هز راسه وقال:
«كلامك صح.»
بعدها كريم بص لنادين وقال:
«أنا عايز أسألك سؤال، وعايزك تجاوبيني بصراحة.»
قالت:
«اتفضل.»
«لو ماما ما كانتش مجهزة الشقة، ولو كانت هديتك مجرد حاجة بسيطة، كنتِ هتزعلي بالشكل ده؟»
نادين اترددت.
«أنا مش زعلانة من الهدية نفسها.»
كريم سأل:
«أمال زعلانة من إيه؟»
قالت:
«أنا كنت متخيلة إن حياتنا هتبدأ بشكل معين. كنت فاكرة إن فيه شقة جاهزة، وإننا مش هنحتاج نستأجر.»
كريم رد:
«لكن إحنا ما اتفقناش على ده.»
قالت:
«كنت فاكرة إنك قلتلي إن أهلك عندهم شقة.»
كريم بص لي باستغراب.
«أنا قلتلك إن عندنا شقة قديمة في المنصورة، تخص بابا وماما، ومش هنعرف نعيش فيها لأنها بعيدة عن شغلي. ما قلتلكيش إن ماما هتشتري شقة جديدة وتديهالنا.»
نادين سكتت.
وبعدين قالت:
«يمكن أنا فهمت كلامك غلط.»
سوسن اتدخلت:
«ما هو عادي يا جماعة، كلنا بنفهم بعض غلط أحيانًا.»
كريم رد:
«عادي يحصل سوء تفاهم، لكن مش عادي إننا نحدد قيمة الناس على أساس اللي عندهم.»
وبعدين سأل نادين:
«أنا عايز أعرف منك حاجة. إنتِ بتحبيني أنا، ولا بتحبي فكرة الحياة اللي كنتِ متخيلاها معايا؟»
نادين اتصدمت من السؤال.
«إيه الكلام ده يا كريم؟ طبعًا بحبك.»
«طيب، لو قلتلك إننا هنبدأ في شقة إيجار صغيرة، وإننا هنشتغل ونوفر لحد ما نقدر نشتري شقتنا بنفسنا، هتوافقي؟»
بصت له، وبعدها بصت لأمها.
السكوت طال.
لدرجة إن صوت عقارب الساعة كان واضح في الصالون.
وبعدين قالت:
«أنا مش عايزة أبدأ حياتي في مستوى أقل من اللي اتعودت عليه.»
كريم سألها:
«وده معناه إنك مش موافقة؟»
قالت:
«أنا ما قلتش كده. بس لازم تكون عارف إن عندي طموحات.»
رد بهدوء:
«الطموح حقك، وأنا مش ضد إننا نشتغل ونحسن حياتنا. لكن الطموح حاجة، وإننا نضغط على أمي علشان تكتب شقة باسمنا حاجة تانية.»
سوسن اتضايقت وقالت:
«إنتوا مكبرين الموضوع أوي. الشقة لو اتكتبت باسمكم، هتكون في الآخر لابنها برضه.»
قلت لها:
«يمكن. لكن دي ملكيتي أنا، وأنا اللي أحدد أتصرف فيها إزاي.»
فؤاد بص لمراته وقال:
«سوسن، كفاية.»
وبعدين وجه كلامه لكريم:
«أنا عايزك تعرف إنك لو بدأت حياتك مع بنتي من غير شقة، ده مش عيب. وأنا مستعد أساعدكم على قد ما أقدر، لكن مش عايز حد يدخل الجوازة وهو شايل في قلبه إحساس إنه اتفرض عليه حاجة.»
نادين قامت فجأة.
«أنا تعبت من الكلام ده.»
كريم بص لها.
«إحنا لسه ما خلصناش.»
قالت:
«بالنسبة لكوا، الموضوع كله شقة وفلوس وإهانة. لكن محدش سألني أنا حاسة بإيه.»
قلت لها:
«طيب، قولي لنا إنتِ حاسة بإيه.»
فضلت واقفة، وإيديها بتترعش شوية.
وبعدين قالت:
«أنا طول عمري بحاول أثبت إني أحسن من الظروف اللي اتولدت فيها. كنت بشوف بنات حواليا أهلهم بيشتروا لهم شقق وعربيات، وكنت بحس إني لازم أحقق نفس المستوى. ولما عرفت إن كريم من عيلة مرتاحة، وإن عندكم إمكانيات، حسيت إن أخيرًا هيكون عندي الاستقرار اللي نفسي فيه.»
كريم كان بيسمعها من غير ما يقاطعها.
كملت وهي بتبص للأرض:
«يمكن أنا ركزت على الحاجات دي زيادة عن اللزوم. ويمكن لما عرفت إن فيه شقة، اتعلقت بالفكرة قبل ما أفكر إذا كانت هدية ولا لأ.»
كانت أول مرة تتكلم بصراحة بالشكل ده.
لكنها رجعت وقالت:
«ومع ذلك، أنا مش عايزة أحس إني أقل من حماتي، ولا إني هفضل مديونة لها طول عمره.»
رديت عليها:
«يا نادين، أنا ما طلبتش منك تكوني مديونة ليا. ولا عمري كنت عايزاكي تحسي إنك أقل مني. أنا كنت عايزة أفرحك، مش أشتري رضاكي.»
عينيها دمعت.
للحظة، حسيت إن البنت اللي قدامي يمكن تكون فعلًا خافت من المستقبل، ويمكن تكون اتعودت تقارن نفسها بالناس لحد ما نسيت إن العلاقات مش مسابقات.
لكن برضه، الخوف مش مبرر للإهانة.
قلت لها:
«لو إنتِ خايفة من المستقبل، نتكلم. لو عندك طموح، نتعاون. لو عايزة تشتغلي وتكوني مستقلة، أنا أول واحدة هتشجعك. لكن لو شايفة إن قيمتي وقيمة كريم مرتبطة بشقة أو مبلغ أو هدية، يبقى لازم كل واحد فينا يراجع نفسه.»
نادين مسحت دموعها.
وبعدين قالت:
«أنا آسفة يا طنط صافي.»
المرة دي، ما قالتش إن كلامها اتفهم غلط.
قالت إنها آسفة.
بصيت لها وقلت:
«أنا قبلت اعتذارك يا بنتي، لكن الثقة مش بترجع في لحظة. الثقة بتتبني بالمواقف.»
هزت راسها.
كريم أخد نفس طويل، وبعدين قال:
«أنا لسه بحبك يا نادين، وعايز الجوازة دي تنجح. لكن لازم نبدأ من غير شروط مفروضة على بعض.»
نادين بصت له وقالت:
«وأنا هحاول.»
سألها:
«هحاولي إيه؟»
قالت:
«هحاول أبطل أقارن حياتي بحياة الناس، وأبطل أحكم على كل حاجة بالفلوس.»
فؤاد ابتسم براحة، ومحمود اللي كان ساكت طول الوقت قال:
«أهو ده الكلام اللي يفرح.»
كنت أتمنى إن القعدة تنتهي على كده.
لكن قبل ما نقوم، موبايل نادين رن.
بصت للشاشة، واتغير لون وشها.
قامت بسرعة وقالت:
«عن إذنكم، هرد على المكالمة بره.»
خرجت من الصالون، وسابت موبايلها الاحتياطي على الترابيزة.
بعد ثواني، ظهرت رسالة على الشاشة.
ما كانش من حقنا نفتش في خصوصياتها، وأنا أول واحدة ما بقبلش ده.
لكن الرسالة ظهرت قدامنا بوضوح، وكان عنوانها:
«تفاصيل الشقة الجديدة».
كريم شاف العنوان، وبص بعيد عن الموبايل.
لكن بعدها وصل إشعار تاني، فيه جملة قصيرة ظهرت على الشاشة:
«متنسيش إننا اتفقنا إن العقد لازم يتسجل باسمك قبل ما توافقي على أي حاجة تانية.»
كريم ما لمسش الموبايل.
لكنه فضل باصص للشاشة لثواني.
ولما رجعت نادين، لقيته واقف.
قال لها بهدوء:
«نادين، مين اللي بعتلك الرسالة دي؟»
وشها اتغير.
«رسالة إيه؟»
كريم أشار للموبايل من غير ما يلمسه.
«الرسالة اللي ظهرت دلوقتي.»
نادين مسكت الموبايل بسرعة، وقلبت الشاشة.
«دي رسالة من صاحبتي.»
كريم سألها:
«صاحبتك عارفة موضوع الشقة؟»
قالت:
«أيوه، كنت حكيتلها.»
«وحكيتلها إننا اتفقنا إن العقد يتسجل باسمك؟»
نادين ما ردتش.
كريم كرر السؤال:
«إحنا اتفقنا على كده يا نادين؟»
قالت بسرعة:
«أنا كنت بتكلم معاها بشكل عام. ما تقفش عند كل كلمة.»
كريم بص لها طويلًا، وبعدها قال:
«أنا مش هفتش في موبايلك، ومش هطلب منك توريهولي. لكن من النهارده، أي قرار بينا لازم يكون واضح، ومفيش اتفاقات من طرف واحد.»
نادين هزت راسها.
«حاضر.»
لكن وأنا ببص لها، لاحظت إنها مش بس متوترة من موضوع الشقة.
كانت خايفة من حاجة تانية.
حاجة أكبر من إنها تخسر هدية.
وفي اللحظة دي، بدأت أفهم إن اللي حصل في الفرح يمكن ما يكونش مجرد غرور أو استعلاء.
يمكن يكون فيه ضغط من حد عليها، أو وعود اتقالت لها، أو توقعات اتبنت في دماغها قبل ما تدخل بيتنا.
ما كنتش عارفة الحقيقة كاملة.
لكن الأيام الجاية كانت كفيلة إنها تكشف كل حاجة.
عدت الأيام الأولى بعد الفرح بهدوء نسبي.
كريم ونادين بدأوا حياتهم في شقة إيجار صغيرة قريبة من شغل كريم، وأنا ومحمود عرضنا عليهم نساعدهم في تجهيزها، لكن كريم رفض ياخد أي مبلغ كبير.
قال لي:
«أنا عايز أبدأ بنفسي يا ماما. لو احتجت حاجة، هطلبها منك.»
احترمت قراره.
وبعت لنادين طقم ملايات جديد، وبعض أدوات المطبخ اللي كنت عارفة إنها بتحبها.
ما كانش قصدي أشتري رضاها، لكن كنت عايزة أديها فرصة تبدأ من غير ما تحس إني بعاقبها على اللي حصل.
نادين اتصلت بيا وشكرتني.
صوتها كان هادي، وكلامها مهذب.
بدأت أصدق إن القعدة اللي عملناها جابت نتيجة.
لكن بعد حوالي أسبوع، كريم اتصل بيا في وقت متأخر من الليل.
كان صوته متوتر.
«ماما، إنتِ صاحية؟»
قلت:
«أيوه يا حبيبي. في حاجة؟»
سكت ثواني، وبعدها قال:
«أنا محتاج أجيلك أنا وبابا بكرة. فيه موضوع لازم نتكلم فيه.»
قلبي اتقبض.
«خير يا كريم؟ نادين كويسة؟»
رد بسرعة:
«أيوه، هي كويسة. بس فيه حاجة اكتشفتها النهارده، ومش عارف أتصرف إزاي.»
ما ضغطتش عليه في التليفون.
قلت له:
«تعالى يا حبيبي في أي وقت. البيت بيتك.»
تاني يوم، جه كريم ومعاه محمود من الشغل، وقعدنا كلنا في الصالون.
كان ماسك ملف صغير، وحطه قدامه.
قال:
«أنا مش عايز أظلم نادين، لكن لازم أحكي لكم اللي حصل.»
وبدأ يتكلم.
قال إنه كان بيتناقش مع نادين في مصاريف البيت، وإنها طلبت منه يفتح حساب مشترك علشان يحوشوا فيه فلوس للشقة المستقبلية.
هو وافق على الفكرة من حيث المبدأ، لكن لما سألها عن المبلغ اللي ناوية تحوشه كل شهر، قالت له إنها مش هتقدر تحط فلوس حاليًا، وإنه المفروض هو يتحمل الجزء الأكبر.
كريم ما اعترضش، لأنه كان مستعد يشيل مسؤولية بيته على قد ما يقدر.
لكن أثناء الكلام، قالت له إن والدتها نصحتها إنها لازم تأمن مستقبلها، وإن الشقة لو اتكتبت باسمها هتكون أفضل.
سألها كريم:
«أفضل لمين؟»
قالت:
«لينا إحنا الاتنين.»
لكنه لاحظ إنها كل ما تتكلم عن الشقة، تركز على تسجيلها باسمها، مش على طريقة شراء الشقة أو المسؤولية المشتركة.
بعدها، قالت له إنها كانت وعدت والدتها إنها هتقدر توفر لها مكان تقعد فيه لو احتاجت في المستقبل.
كريم استغرب وسألها:
«إنتِ وعدتي مامتك بإيه بالضبط؟»
ردت إنها قالت لها إن الشقة هتكون قريبة منها، وإنها ممكن تقعد عندهم وقت ما تحب.
كريم قال لي:
«ماما، أنا ما عنديش مشكلة إن أمها تزورنا أو تقعد معانا وقت ما تحتاج. لكن أنا اتفاجئت إنها كانت بتتكلم عن الشقة كأنها خلاص بقت ملكنا، وكأن ماما وافقت إنها تديهالنا.»
محمود سأله:
«طيب، هي قالتلك إن أمها طلبت منها حاجة معينة؟»
كريم فتح الملف، وطلع ورقة مطبوعة.
قال:
«دي مش ورقة سرية ولا حاجة. دي رسالة نادين بعتها لي، وكانت بتشرح فيها خطتها علشان نقدر نشتري شقة بعد كده.»
قرأت الرسالة.
كانت نادين بتتكلم عن مصاريف الزواج، وعن رغبتها في الاستقرار، وعن إن وجود شقة مملوكة هيخليها تحس بالأمان.
ما كانش في الرسالة اعتراف واضح بأي نية سيئة، لكن كان فيها حاجة لفتت نظري.
كانت بتتكلم عن أموال كريم باعتبارها مسؤولية مشتركة، وبتتكلم عن أموالي باعتبارها دعم متوقع.
كأنها قسمت موارد العيلة كلها في حساباتها، من غير ما تسأل أصحابها.
قلت لكريم:
«إنت اتكلمت معاها في الكلام ده؟»
قال:
«أيوه. وقلت لها إننا لازم نحط حدود واضحة بين حياتنا وحياة أهلنا. وإن أي مساعدة منكم هتكون برضاكم، مش جزء من خطة إحنا بنبنيها من غيركم.»
هزيت راسي.
«كويس.»
لكنه قال:
«المشكلة إنها قالتلي إن أمها محتاجة فلوس، وإنها كانت متوقعة إن الشقة تساعدهم في ظروفهم.»
محمود رفع راسه.
«ظروفهم إيه؟»
كريم رد:
«نادين قالت إن عليهم ديون، وإن والدها بيحاول يسددها. وإن أمها كانت شايفة إن الشقة هتخفف عنهم مصاريف كتير.»
سكتنا.
فهمت دلوقتي ليه سوسن كانت مصممة على موضوع الهدية.
يمكن كانت فعلًا شايفة الشقة وسيلة لحل مشاكلهم المالية.
لكن ده ما يديهاش الحق إنها تضغط علينا.
قلت لكريم:
«يا حبيبي، لو أهل نادين عندهم مشاكل مالية، دي حاجة نحترمها ونقدر ظروفهم فيها. لكن ما ينفعش تتحول لمطالبة بحق مش حقهم.»
كريم قال:
«أنا عارف يا ماما. وعشان كده عايز أكلم نادين تاني، وأفهم منها كل حاجة.»
محمود قال:
«اتكلم معاها، لكن خليك واضح. ما تسيبش الأمور معلقة، علشان الغموض بيكبر المشاكل.»
كريم قام، وباس راسي.
«أنا هحاول أحل الموضوع بهدوء.»
ولما خرج، فضلت أفكر في نادين.
هل كانت بتخطط لكل ده من البداية؟
ولا كانت خايفة من الديون اللي عند أهلها، فحاولت تلاقي حل بطريقة غلط؟
أنا ما كنتش عايزة أظلمها.
لكن كنت عارفة إن التعاطف مع ظروف الناس ما معناهش إننا نسمح لهم يتجاوزوا حدودهم.
بعد يومين، اتصلت بيا نادين بنفسها.
قالت:
«ممكن أجيلك يا طنط صافي؟ عايزة أتكلم معاكي لوحدنا.»
وافقت، وقلت لها تيجي في أي وقت يناسبها.
وصلت بعد العصر، وكانت من غير مكياج تقريبًا، وملامحها باينة عليها قلة النوم.
استقبلتها، وعملت لها شاي، وقعدنا في الصالون.
فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت:
«أنا عارفة إن حضرتك مش واثقة فيا دلوقتي.»
قلت لها:
«الثقة محتاجة وقت يا نادين.»
هزت راسها.
«أنا عارفة.»
وبعدين بدأت تحكي.
قالت إن والدها كان داخل في مشروع تجاري من سنين، وإن المشروع خسر جزء كبير من رأس المال، وإنهم اضطروا يستلفوا من أكتر من جهة علشان يسددوا الالتزامات.
وأضافت إن والدتها كانت دايمًا بتضغط عليها علشان تتجوز شخص قادر ماديًا، وإنها من صغرها كانت بتسمع إن الأمان في الحياة مش بييجي غير بالفلوس.
قالت:
«أنا ما كنتش عايزة أكون أنانية، لكن كنت خايفة أبدأ حياة وأرجع أعيش نفس القلق اللي عشته وأنا صغيرة.»
بصيت لها وقلت:
«أنا مقدرة خوفك، لكن إنتِ لازم تعرفي إن الفلوس ممكن تساعد الإنسان يعيش مرتاح، لكنها مش هتخليه يحس بالأمان لو هو مش واثق في اللي حواليه.»
عينيها دمعت.
«أنا غلطت في حق حضرتك.»
قلت:
«أيوه، غلطتي.»
ما حاولتش أجمل الحقيقة.
«لكن المهم دلوقتي إنك تفهمي الغلط وتصلحيه.»
قالت:
«أنا عايزة أصلح اللي حصل، بس مش عارفة أبدأ منين.»
سألتها:
«إنتِ اعتذرتي لكريم؟»
قالت:
«أيوه.»
«طيب، هل اتكلمتي معاه بصراحة عن الديون اللي عند أهلك؟»
سكتت.
وبعدين قالت:
«مش كلها.»
قلت:
«ليه؟»
ردت:
«كنت خايفة يحس إني اتجوزته علشان فلوسه.»
قلت لها:
«إخفاء الحقيقة ممكن يخليه يشك أكتر من الحقيقة نفسها. لو إنتِ عايزة تبني بيت، لازم يكون فيه وضوح. مش مطلوب منك تحلي مشاكل أهلك لوحدك، ولا مطلوب من كريم يشيل ديون مش ديونه. لكن لازم كل واحد فيكم يعرف ظروف التاني.»
فضلت تسمعني من غير ما تقاطعني.
وبعدين قالت:
«أنا عايزة أسألك سؤال.»
قلت:
«اتفضلي.»
«لو أنا كنت اتكلمت مع حضرتك من الأول وقلتلك إن عندنا ظروف صعبة، وإن نفسي في شقة تضمن لي الاستقرار، كنتِ هتساعديني؟»
فكرت لحظة، وبعدها قلت:
«كنت هسمعك، وأشوف إزاي أقدر أساعد من غير ما أضر نفسي أو أضر كريم. لكن المساعدة ما كانتش هتكون وعد مفتوح، ولا هتكون مقابل إنك تتجوزي ابني.»
نادين مسحت دموعها.
«أنا كنت غلطانة لما فكرت إن الشقة هتحل كل حاجة.»
قلت لها:
«الشقة ممكن تحل مشكلة السكن، لكنها مش هتحل مشكلة الثقة. ودي أهم حاجة لازم تشتغلوا عليها إنتوا الاتنين.»
وبعدين قمت، ورجعت قعدت قدامها.
قلت:
«عايزة أقولك حاجة مهمة يا نادين. أنا مش عايزة منك تبقي نسخة مني، ولا عايزاكي تتنازلي عن طموحك علشان ترضيني. أنا عايزاكي تكوني نفسك، لكن من غير ما تقللي من غيرك.»
بصت لي وقالت:
«أنا فاهمة.»
وبعدها حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
نادين قامت من مكانها، وقعدت على طرف الكنبة اللي جنبي، ومسكت إيدي.
وقالت:
«أنا عايزة أتعلم من حضرتك.»
استغربت.
«تتعلمي إيه؟»
قالت:
«اللغات. كريم قال لي إن حضرتك بتتكلمي تمان لغات، وإنك اشتغلتي في الترجمة.»
ابتسمت.
«أيوه، كنت بشتغل.»
قالت:
«أنا كنت فاكرة إن حضرتك ست بيت وبس. ما كنتش أعرف إن عندك كل الخبرة دي.»
بصيت لها بهدوء وقلت:
«وحتى لو كنت ست بيت وبس، هل ده كان يديكي الحق تهينيني؟»
نزلت عينيها فورًا.
«لأ. حقك عليا.»
قلت لها:
«الإنسان ما بيتقاسش بعدد اللغات اللي بيتكلمها، ولا بالشهادة اللي معاه، ولا بالفلوس اللي في حسابه. بيتقاس بأخلاقه وطريقة معاملته للناس.»
فضلت قاعدة جنبي شوية، واتكلمنا عن دراستها وشغلها، وعن رغبتها إنها ترجع تطور نفسها في اللغة الألمانية.
ولأول مرة من ساعة ما اتجوزت كريم، حسيت إني بتكلم مع نادين من غير حواجز.
لكن قبل ما تمشي، قالت لي:
«فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها.»
بصيت لها.
«إيه هي؟»




