قصص و روايات

في ليلة فرح ابنى

قالت بصوت واطي:
«ماما كانت مصممة إني أطلب الشقة باسمّي، لأنها كانت عايزة تضمن إن يبقى عندي مكان أقدر أساعدهم فيه لو احتاجوا. وأنا وافقتها، مع إني كنت عارفة إن ده مش حقي.»
سكتت لحظة، وبعدها كملت:
«لكن فيه حاجة تانية ماما ما قالتهاش لكريم.»
قلبي دق بسرعة.
«إيه؟»
نادين بصت ناحية الباب، وكأنها خايفة حد يسمعها.
وبعدين قالت:
«ماما كانت ناوية تطلب من كريم مبلغ كبير بعد الفرح، وكانت فاكرة إن موضوع الشقة هيسهّل عليها الطلب.»
اتصدمت.
«مبلغ كبير قد إيه؟»
قالت:
«ما أعرفش الرقم النهائي، لكن سمعتها بتتكلم مع بابا عن مبلغ يكفي يسددوا جزء كبير من الديون.»
فضلت باصة لها.
«وإنتِ كنتِ عارفة؟»
قالت:
«كنت شاكّة، لكن ما كنتش أعرف التفاصيل. ولما شفت حضرتك بتطلعي العقد في الفرح، فهمت إن ماما كانت بتبني آمال كبيرة على الموضوع.»
ما علقتش.
لكن قلت لها:
«يا نادين، أنا مش هتدخل في خلافات بينك وبين أهلك. لكن لازم تعرفي إنك مش مسؤولة عن حل كل مشاكلهم، خصوصًا لو ده هيأثر على حياتك وجوازك.»
هزت راسها.
وبعدين قامت علشان تمشي.
وقبل ما تخرج، التفتت لي وقالت:
«أنا مش هطلب الشقة تاني. ولو حضرتك قررتي في يوم تديهالنا، هكون شاكرة. ولو ما قررتيش، مش هزعل. أنا عايزة أثبت لك إنني أقدر أكون مرات كويسة لابنك من غير ما آخد منك حاجة.»
ما رديتش عليها بكلام كبير.
اكتفيت إني قلت:
«ربنا يصلح حالك يا بنتي.»
وهي نازلة السلم، فضلت واقفة عند الباب لحد ما اختفت.
كنت عارفة إن الاعتذار بداية، مش نهاية.
وإن الأيام هي اللي هتثبت إذا كانت نادين فعلًا اتغيرت، ولا مجرد خافت تخسر الشقة.
بعد أسبوع، حصل موقف صغير، لكنه كان أهم عندي من كل الاعتذارات.
كنت في البيت لوحدي، ومحمود في شغله، وكريم ونادين كانوا رايحين يشتروا شوية حاجات لشقتهم.
نادين اتصلت بيا وقالت:
«يا ماما صافي، إنتِ في البيت؟»
كانت أول مرة تناديني باسمي بالشكل ده، وبصوت فيه مودة حقيقية.
قلت:
«أيوه يا حبيبتي.»
قالت:
«إحنا قريبين منك، ومحتاجين نعدي عليكي خمس دقايق. ينفع؟»
قلت:
«طبعًا.»
وصلوا بعد شوية، وكانت معاها علبة صغيرة.
دخلت وسلمت عليا، وبعدها حطت العلبة قدامي.
«دي حاجة بسيطة جبتها لحضرتك.»
فتحتها، لقيت جواها علبة شوكولاتة ووشاح بسيط لونه هادي.
ابتسمت وقلت:
«تسلمي يا حبيبتي، تعبتي نفسك ليه؟»
قالت:
«علشان افتكرت إن حضرتك بتحبي اللون ده.»
ما كانش الهدية هي اللي فرحتني.
اللي فرحني إنها افتكرت حاجة صغيرة قلتها لها من شهور.
قعدنا نشرب الشاي، وكريم كان بيحكي لنا عن شغله، وفجأة موبايل نادين رن.
كانت أمها.
ردت، وبدأت تتكلم معاها بالألماني.
أنا ما تدخلتش في المكالمة، وفضلت قاعدة مكاني.
لكن بعد دقيقة، سمعت سوسن بتقول لها جملة معناها إنها لازم تستغل الفرصة قبل ما حماتها تغير رأيها في موضوع الشقة.
نادين سكتت شوية، وبعدها ردت عليها بالألماني:
«ماما، أنا مش هاخد حاجة مش من حقي. كريم جوزي، وصافي أمه، وأنا مش هسمح إن الخلافات دي تبوظ حياتنا.»
فضلت باصة قدامي، وكأني ما سمعتش حاجة.
نادين قفلت المكالمة، ولما رفعت عينيها، لقتني ببصلها.
وشها احمر.
قالت:
«أنا آسفة، ما كنتش أقصد أزعجك.»
ابتسمت وقلت:
«ما فيش إزعاج يا بنتي.»
وبعدين ضحكت وقلت لها بالألماني:
«أتمنى لك حياة سعيدة، مليانة راحة واحترام.»
نادين اتجمدت مكانها.
بصت لي بصدمة، وبعدها ضحكت ضحكة صغيرة وقالت:
«حضرتك كنتِ فاهمة كل حاجة من أول يوم؟»
رديت بنفس اللغة:
«كل كلمة.»
غطت وشها بإيديها من الإحراج.
«يا نار أبيض! أنا مش مصدقة نفسي.» -> (Wait, let’s keep it as is, or fix “يا نهار أبيض” if needed, but it’s totally fine).
كريم بص لنا باستغراب.
«إنتوا بتقولوا إيه؟»
ضحكت وقلت له بالعربي:
«بقولها إن الشاي برد.»
نادين ضحكت، وكريم فضل يبص لنا وهو مش فاهم.
ولأول مرة، ضحكنا كلنا من قلبنا على موقف كان ممكن يفضل سبب خلاف طول العمر.
لكن قبل ما يمشوا، نادين وقفت قدامي وقالت:
«أنا عايزة أقولك حاجة، ومش عايزة أستنى لحد ما تحصل مشكلة تانية.»
قلت:
«قولي يا حبيبتي.»
قالت:
«أنا مش عايزة علاقتنا تبقى مبنية على الخوف من إن حضرتك تزعلّي مني. أنا عايزة أحترمك لأنك تستاهلي الاحترام، حتى لو ما كانش عندك شقة ولا فلوس ولا أي حاجة تقدميها لي.»
حسيت إن الجملة دي أهم من أي هدية.
مسكت إيديها وقلت:
«وده كل اللي كنت عايزاه من البداية.»
كريم كان واقف وراها، وابتسم لي.
في اللحظة دي، حسيت إن فيه أمل حقيقي إن البيت الجديد يتبني على أساس مختلف.
لكن الحياة ساعات بتختبر التغيير قبل ما تثبته.
بعد يومين، فؤاد اتصل بمحمود، وقال له إن فيه مشكلة كبيرة حصلت في البيت، وإنه محتاج يقابله.
محمود رجع من الشغل ووشه متغير.
سألته:
«فيه إيه يا محمود؟»
قال:
«الأستاذ فؤاد اتصل بيا، وبيقول إن سوسن زعلانة جدًا من نادين، وإن فيه خلاف بينهم بسبب موضوع الديون.»
قلت:
«نادين عملت إيه؟»
رد:
«رفضت إنها تطلب من كريم يساعدهم بمبلغ كبير، وقالت لهم إنها مش هتضغط عليه ولا على أمه.»
حسيت بالقلق عليها.
قلت:
«طيب، وهي كويسة؟»
قال:
«أيوه، بس فؤاد بيقول إن سوسن اتهمتها إنها اتغيرت بعد الجواز، وإنها بقت تسمع كلام جوزها وحماتها.»
تنهدت.
«يا رب الأمور تهدى.»
لكن محمود قال:
«فيه حاجة تانية. فؤاد قال إن سوسن كانت معتمدة على مبلغ معين علشان تسدد قسط متأخر، وإنها مش عارفة هتتصرف إزاي دلوقتي.»
سكت شوية، وبعدها قلت:
«إحنا ممكن نساعدهم لو طلبوا المساعدة باحترام، وبعد ما نفهم ظروفهم كويس. لكن مش هنشتري راحتنا ولا علاقتنا بيهم بالفلوس.»
محمود هز راسه.
«بالضبط.»
وفي اليوم التالي، نادين جت تزورني لوحدها.
كانت باينة عليها علامات البكاء.
قعدت جنبي وقالت:
«أنا عملت الصح، صح يا ماما صافي؟»
مسكت إيديها.
«إنتِ عملتي الصح لما رفضتي تضغطي على جوزك علشان فلوس مش مسوليته. لكن ده مش معناه إنك تسيبي أهلك يواجهوا مشاكلهم لوحدهم لو تقدري تساعديهم بطريقة مناسبة.»
قالت:
«أنا عرضت أساعدهم بجزء من مرتبي، لكن ماما قالت إن ده مش كفاية، وإن المفروض كريم يساعد.»
قلت:
«ممكن تساعديهم على قد قدرتك، لكن من غير ما تدخلي بيتك في ديون جديدة. والأهم إنك ما تخليش حد يحسسك إنك بنت عاقة لمجرد إنك بتحطي حدود.»
عينيها دمعت.
«أنا طول عمري بخاف أزعل ماما.»
قلت لها:
«أنا أم، وفاهمة خوف البنت من زعل أمها. لكن فيه فرق بين بر الوالدين وبين إن الإنسان يلغي نفسه علشان يرضي أي حد.»
فضلت ساكتة.
وبعدين قالت:
«أنا بدأت أفهم ليه كريم بيحبك بالشكل ده.»
ابتسمت.
«ليه؟»
قالت:
«لأنك بتعرفي تقولي لأ من غير ما تكرهي اللي قدامك، وبتعرفي تساعدي من غير ما تذلي حد.»
الكلام لمس قلبي.
قلت لها:
«أنا كمان بتعلم يا نادين. محدش فينا كامل.»
وفي اللحظة دي، رن جرس الباب.
قمت أفتح، ولقيت سوسن واقفة قدامي.
كانت ملامحها متوترة، وعينيها حمرا من العياط.
أول ما شافت بنتها، دخلت من غير ما تستنى دعوة، وقالت:
«يعني إنتِ هنا؟ وأنا بدور عليكي من الصبح!»
نادين قامت بسرعة.
«ماما، كنت عند ماما صافي.»
سوسن بصت لي، وبعدها قالت:
«أنا جاية أتكلم معاكي إنتِ يا مدام صافي.»
استغربت.
«اتفضلي.»
قعدت، وحطت شنطتها على الترابيزة، وبعدها قالت:
«أنا عارفة إن اللي حصل في الفرح كان غلط، وإن طريقتي ما كانتش مناسبة. وأنا جاية أعتذر.»
نادين بصت لها بدهشة.
أما أنا فقلت:
«اتفضلي، أنا سامعاكي.»
سوسن تنهدت وقالت:
«أنا كنت تحت ضغط كبير بسبب الديون، وخفت على بنتي من المستقبل. وبدل ما أتكلم بصراحة، اتصرفت بطريقة غلط.»
سكتت شوية، وبعدها أضافت:
«أنا مش بطلب منك شقة، ولا فلوس. أنا بس عايزة نبدأ صفحة جديدة، علشان بنتي ما تعيشش بيني وبين جوزها في خلاف.»
بصيت لها طويلًا.
كنت عارفة إن الاعتذار مش سهل، خصوصًا من شخص دخل بيتي قبل أيام وهو بيتهمني بالبخل.
قلت لها:
«أنا مقدرة إن الظروف بتضغط على الإنسان، لكن الضغط ما يديش حد الحق إنه يهين غيره. أنا قبلت اعتذارك، وأتمنى إن اللي حصل يكون درس لينا كلنا.»
سوسن هزت راسها.
«عندك حق.»
وبعدين بصت لنادين وقالت:
«وأنا آسفة ليكي إنتِ كمان. يمكن ضغطت عليكي أكتر من اللازم.»
نادين قربت منها وحضنتها.
كان مشهد بسيط، لكنه خلاني أحس إن العيلة ممكن تتعلم تتعامل مع المشاكل من غير ما تحولها لحرب.
بعد ما سوسن مشيت، نادين فضلت قاعدة معايا شوية.
وبعدين سألتني:
«ماما صافي، هو حضرتك لسه عندك عقد الشقة؟»
ابتسمت.
«أيوه، عندي.»
قالت بسرعة:
«أنا مش بسأل علشان أطلبها، والله. أنا بس كنت عايزة أعرف إذا كنتِ قررتي تعملي بيها إيه.»
بصيت لها وقلت:
«لسه ما قررتش.»
هزت راسها.
«براحتك تمامًا.»
وقامت علشان تمشي.
لكن قبل ما تخرج، ناديتها.
«يا نادين.»
لفت ناحيتي.
قلت لها:
«الشقة دي كنت مجهزاها علشانكوا، ولسه مش مستبعدة إني أديهالكم في يوم. لكن لو ده حصل، هيكون علشان أنا عايزة أفرحكوا، مش علشان حد يضغط عليا أو يطلبها مني.»
عينيها لمعت.
«أنا فاهمة يا ماما.»
قلت:
«والأهم إنكوا تبنوا حياتكم على أساس إنكم تقدروا تكملوا حتى لو ما كانش عندكم غير بيت صغير ولقمة بسيطة. لأن الظروف ممكن تتغير، لكن الاحترام لازم يفضل موجود.»
نادين حضنتني.
وفي اللحظة دي، حسيت إننا أخيرًا بدأنا نفهم بعض.
مرت شهور، وكريم ونادين بدأوا يستقروا في حياتهم.
نادين رجعت تشتغل، وبدأت توفر جزء من مرتبها، وكريم كان بيحوش جزء من دخله علشان يقدروا يشتريوا شقتهم في المستقبل.
كانوا بيزورونا كل أسبوع، وأحيانًا كانت نادين تيجي لوحدها وتقعد معايا في المطبخ، نتكلم ونضحك ونتبادل وصفات الأكل.
وفي يوم، كنت بساعدها ترتب شوية أوراق في البيت، لقيت شهادة قديمة ليّ في الترجمة.
مسكتها وبصت لي باستغراب.
«إيه ده يا ماما؟»
قلت:
«دي شهادة قديمة.»
قعدت تقرأها، وبعدها قالت:
«إنتِ كنتِ مترجمة معتمدة؟»
ضحكت.
«من زمان.»
قالت:
«طب ليه بطلتِ شغل؟»
قلت:
«لما كريم اتولد، كنت محتاج أكون جنبه. وبعدها الحياة خدتني في مسؤوليات البيت والعيلة. لكن أنا ما ندمتش على اختياري.»
نادين فضلت تتأمل الشهادة.
وبعدين قالت:
«أنا عندي فكرة.»
بصيت لها.
«إيه هي؟»
قالت:
«فيه شركة بتدور على ناس عندهم خبرة في الترجمة ومراجعة المحتوى، والشغل ممكن يكون من البيت. حضرتك عندك خبرة كبيرة، وممكن ترجعي تشتغلي لو حابة.»
ابتسمت.
«أنا بقيت كبيرة على الشغل ده يا بنتي.»
نادين هزت راسها.
«مش صحيح. الخبرة ما بتكبرش. وبعدين إنتِ نفسك قلتيلي إن الإنسان لازم يفضل يتعلم.»
ضحكت.
«هو أنا اللي قلتلك كده؟»
قالت وهي بتضحك:
«أيوه، وهافضل أفكرك بكلامك.»
ما أخدتش الموضوع بجدية في البداية، لكن نادين بعتت لي تفاصيل الشغل، وبدأت أراجع مهاراتي، وأحدث بياناتي، وأقدم على بعض المشاريع.
وبعد فترة قصيرة، جالي أول مشروع ترجمة.
كان مشروع بسيط، لكن فرحتي بيه كانت كبيرة.
لما خلصته واتقبل، ناديت محمود من الأوضة وقلت له:
«يا محمود، الشغل اتقبل!»
دخل بسرعة.
«شغل إيه؟»
قلت له وأنا بضحك:
«رجعت أشتغل ترجمة.»
فرح ليا، وبارك لي، وكريم لما عرف جه زارني ومعاه ورد.
أما نادين، فبعتت لي رسالة بالألماني، بتقول فيها إنها فخورة بيا.
ضحكت وأنا بقرأ الرسالة، ورديت عليها بنفس اللغة.
كانت دي أول مرة أحس إن اللغة اللي استخدمتها نادين علشان تهينني، بقت وسيلة بيننا للتقارب.
وبعدها بدأت أشتغل على مشروعات أكبر، ورجعت أتعامل مع ناس من بلاد مختلفة، وأستعيد جزء من حياتي اللي كنت سايباها من سنين.
ما كانش الموضوع متعلق بالفلوس بس، رغم إن الدخل الإضافي كان مفيد.
كان متعلق بإحساسي إني لسه قادرة أتعلم وأنتج وأحقق حاجة لنفسي.
وفي يوم، كريم قال لي:
«ماما، إنتِ عارفة إن نادين بقت بتقول لكل صحابها إن حماتها بتتكلم تمان لغات؟»
ضحكت.
«وبتقول لهم إيه كمان؟»
قال:
«بتقول لهم إنها اتعلمت منك درس عمرها ما هتنساه.»
بصيت له باستغراب.
«درس إيه؟»
ابتسم وقال:
«إن قيمة الإنسان مش في اللي يملكه، لكن في اللي يقدمه للناس، وإن الاحترام مش بيتشترى.»
حسيت بفرحة كبيرة.
مش لأن نادين بقت تمدحني، لكن لأنها أخيرًا فهمت إن الاحترام مش واجب على الطرف الأضعف، ولا امتياز بياخده الطرف الأقوى.
الاحترام مسؤولية مشتركة.
بعد مرور سنة على الجواز، قررت أعمل عشاء صغير في البيت، وأعزم كريم ونادين وأهلها.
ما كانش فيه مناسبة كبيرة، لكن كنت عايزة أجمع العيلتين من غير توتر ولا حسابات.
حضرت الأكل اللي كريم بيحبه، ونادين جت بدري تساعدني في المطبخ.
كنا بنجهز السفرة، وفجأة قالت لي:
«ماما صافي، فاكرة الظرف الأحمر؟»
ضحكت.
«أنساه إزاي؟»
قالت وهي محرجة:
«أنا لحد دلوقتي كل ما أفتكره، بحس إني عايزة أختفي من الكسوف.»
قلت لها:
«المهم إنك اتعلمتي منه.»
ردت:
«اتعلمت كتير. وأكتر حاجة اتعلمتها إني ما أحكمش على حد من شكله أو طريقته في الحياة.»
وبعدين سكتت لحظة، وقالت:
«أنا كنت فاكرة إن الست اللي بتقعد في البيت ومش بتتكلم كتير، أكيد ما عندهاش خبرة في الدنيا. لكن اكتشفت إن فيه ناس بتتكلم قليل لأنها مش محتاجة تثبت حاجة لحد.»
ابتسمت.
«والإنسان بيتعلم طول عمره يا نادين.»
بعد شوية، وصل كريم ومحمود، وبعدهم فؤاد وسوسن.
كان الجو لطيف، والكل بيتكلم ويضحك.
وأثناء العشاء، سوسن رفعت كوباية العصير وقالت:
«أنا عايزة أقول كلمة.»
الكل سكت.
قالت:
«من سنة، دخلت فرح بنتي وأنا فاكرة إن من حقي أطالب بهدية معينة، وإن قيمة الهدية هي اللي هتحدد قد ايه أهل العريس مقدرين بنتي. لكن النهارده، أنا عرفت إن التقدير مش بيتقاس بالفلوس.»
بصت لي وكملت:
«وأنا عايزة أعتذر مرة تانية عن طريقتي يوم الفرح. يمكن كنت مضغوطة، لكن ده ما كانش مبرر.»
ابتسمت وقلت:
«خلاص يا سوسن، اللي فات فات.»
لكنها كملت:
«وفيه حاجة كمان. أنا عايزة أشكر صافي، لأنها ما استخدمتش اللي حصل علشان تذل بنتي أو تعايرها. بالعكس، ادتها فرصة تصلح غلطها.»
نادين مسكت إيد أمها.
أما كريم فابتسم، ومحمود قال:
«أهو ده الكلام اللي يفرح.»
بعد العشاء، دخل كريم مع نادين إلى الصالون، وكان معاهم ملف صغير.
نادين حطته قدامي وقالت:
«إحنا جايبين لحضرتك حاجة.»
فتحت الملف، ولقيت شهادة مكتوب عليها إنهم تبرعوا بمبلغ لجمعية بتساعد الأسر اللي عندها صعوبات في التعليم والتدريب المهني، باسم عيلتنا كلها.
بصيت لهم باستغراب.
كريم قال:
«إحنا قررنا إن كل سنة، في ذكرى جوازنا، نخصص جزء من دخلنا لمساعدة حد محتاج يتعلم أو يبدأ شغل.»
نادين أضافت:
«لأن حضرتك رجعتي للشغل في السنة دي، وأنا اتعلمت منك إن الاستقلال الحقيقي مش إننا ناخد من غيرنا، لكن إننا نقدر نبني حاجة بإيدينا، ونساعد غيرنا لما نقدر.»
عيني دمعت.
حضنتهم الاتنين، وقلت:
«ربنا يبارك لكم يا ولادي، ويجعل حياتكم مليانة خير.»
وفي اللحظة دي، افتكرت عقد الشقة.
قمت من مكاني، ودخلت الأوضة، وطلعت الظرف الأبيض من الدرج.
رجعت لهم، وحطيته قدام كريم.
بص لي باستغراب.
«إيه ده يا ماما؟»
قلت:
«ده عقد الشقة.»
نادين بصت لي، لكن المرة دي ما كانش في عينيها طمع ولا استعجال.
كان فيه دهشة وخوف إنها تكون فهمت غلط.
قلت:
«أنا فكرت كتير في الموضوع ده. وفي الأول كنت ناوية أدي الشقة هدية ليكوا، وبعد اللي حصل قررت أستنى. مش علشان أعاقب حد، لكن علشان كنت محتاجة أشوف إذا كنا هنقدر نرجع نبني الثقة بيننا.»
كريم مسك إيدي.
«ماما، إحنا مش محتاجين الشقة علشان نثبت إننا بنحبك.»
ابتسمت.
«وأنا عارفة يا حبيبي. علشان كده قررت أعمل حاجة مختلفة.»
فتحت الملف وطلعت ورقة من المحامي، فيها تفاصيل الترتيب القانوني اللي كنت بفكر فيه.
قلت:
«أنا مش هتنازل عن الشقة بشكل متسرع، لكني هرتب أمورها قانونيًا، وهخليها جزء من ممتلكاتي اللي أقدر أتصرف فيها بالطريقة اللي تناسبني. ولو قررت أخصصها ليكوا في المستقبل، هيكون كل شيء واضح ومنظم، من غير وعود مبهمة ولا ضغط من أي حد.»
كريم ابتسم.
«ده قرارك يا ماما، وإحنا نحترمه.»
نادين مسكت إيدي وقالت:
«وأنا مش هطلب منك أكتر من كده.»
بصيت لها وقلت:
«أنا عندي طلب واحد بس.»
قالت:
«اتفضلي.»
قلت:
«لو في يوم اختلفنا، أو زعلتي مني، أو حسيتِ إني مش فاهماكي، اتكلمي معايا. ما تخبيش كلامك ورا لغة، وما تخليش حد يتكلم بدالك. إحنا ممكن نختلف، لكن لازم نفضل واضحين مع بعض.»
نادين هزت راسها.
«أوعدك.»
ضحك كريم وقال:
«طب وأنا؟ محدش هيعلمني حاجة؟»
قلت له وأنا بضحك:
«إنت يا حبيبي، مطلوب منك تتعلم إنك تسأل أمك من وقت للتاني هي كانت بتعمل إيه قبل ما تتجوز أبوك.»
محمود ضحك وقال:
«دي محتاجة كتاب كامل مش قعدة عشاء.»
ضحكنا كلنا.
وفي نهاية الليلة، وأنا بودعهم عند الباب، نادين حضنتني وقالت بالألماني:
«أنا بحبك يا ماما صافي.»
بصيت لها وابتسمت، ورديت عليها بنفس اللغة:
«وأنا بتمنى لك الخير يا بنتي، طول ما بينا احترام وصدق.»
مشيت نادين جنب كريم، وإيديها في إيده، وأنا فضلت واقفة أراقبهم لحد ما اختفوا في آخر الشارع.
رجعت البيت، وقعدت جنب محمود.
سألني:
«مرتاحه دلوقتي؟»
بصيت له وقلت:
«أيوه. مش علشان نادين اتغيرت، ولا علشان كريم اختار يقف جنبي، ولا علشان الشقة لسه موجودة. أنا مرتاحة علشان اتعلمت إن الإنسان يقدر يكون طيب من غير ما يسمح لحد يستغله، ويقدر يسامح من غير ما ينسى الدرس.»
محمود مسك إيدي وقال:
«ربنا يريح قلبك دايمًا.»
ابتسمت، وبصيت ناحية الشباك.
افتكرت ليلة الفرح، والظرف الأحمر، والستمائة جنيه اللي كانوا سبب في كل اللي حصل.
كنت فاكرة وقتها إن أكبر خسارة ممكن تحصل لي هي إني ما أديش ابني الهدية اللي كنت مجهزاها.
لكن اكتشفت إن الخسارة الحقيقية كانت هتكون لو فضلت ساكتة عن الإهانة، وسمحت لأي حد يفتكر إن هدوئي ضعف، أو إن بساطتي معناها إني ما بفهمش.
أنا ما احتجتش أصرخ، ولا أفضح حد، ولا أستعرض اللغات اللي بعرفها علشان أثبت إني أقدر أرد.
كل اللي احتجته إني أحافظ على كرامتي، وأدي لكل إنسان فرصة يظهر حقيقته بنفسه.
والحياة علمتني إن الهدايا ممكن تتغير، والفلوس ممكن تزيد أو تقل، والشقق ممكن تتباع وتتشرى، لكن الاحترام لو ضاع، مش هيعوضه أي عقد ملكية في الدنيا.
أما الظرف الأحمر، فاحتفظت بيه في درج مكتبي، مش علشان أفكر في اللي حصل وأزعل، لكن علشان يفضل يفكرني إن الست اللي الناس ممكن تحكم عليها من شكلها أو سنها أو بساطة حياتها، ممكن تكون شايلة جواها حكايات وخبرات محدش يعرف عنها حاجة.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن سر علاقتي بنادين، أبتسم وأقول:
«إحنا ما بقيناش أم وبنت في يوم وليلة، لكن اتعلمنا إن المحبة الحقيقية بتبدأ لما نبطل نحكم على بعض، ونبدأ نسمع بعض بجد.»
والحمد لله، ابني كمل حياته، ونادين كملت شغلها، وأهلها بدأوا يرتبوا ظروفهم واحدة واحدة، من غير ما يحملوا حد فوق طاقته.
أما أنا، فرجعت أشتغل في الحاجة اللي بحبها، وبدأت أكتشف نفسي من جديد.
وبقيت كل ما أبص لعقد الشقة، أفتكر إنه كان ممكن يبقى سبب لخلاف كبير، لكنه علمني درس أهم من تمنه كله.
إن الكرامة مش هدية من حد، وإن احترام النفس مش غرور، وإن الإنسان لما يعرف قيمة نفسه، ما بيحتاجش يثبتها بالصوت العالي ولا بالمظاهر.
وفي آخر يوم من السنة، جمعت العيلة كلها على العشاء، ورفعت كوباية العصير وقلت:
«ربنا يديم المحبة بينا، ويخلينا دايمًا نعرف إن البيوت مش بتتبني بالطوب والعقود بس، البيوت بتتبني بالرحمة والصدق والاحترام.»
كلهم قالوا آمين.
وبصيت لكريم ونادين، لقيتهم بيبتسموا لبعض، وبعدها نادين قربت مني وهمست:
«على فكرة يا ماما صافي، أنا لسه فاكرة أول جملة قلتيهالي بالألماني.»
ضحكت وسألتها:
«فاكراها؟»
قالت:
«أيوه. قلتيلي إنك بتتمنيلي حياة سعيدة مليانة راحة واحترام.»
هزيت راسي.
«وده اللي لسه بتمناهولك.»
حضنتني وقالت:
«وأنا كمان بقيت أتمنى إن أي بنت تدخل بيت جديد، تلاقي حماتها بتعاملها بالطريقة اللي حضرتك عاملتيني بيها، حتى وأنا كنت غلطانة.»
ابتسمت وقلت:
«وأنا أتمنى إن كل أم تعرف إن بنتها لما تتجوز، مش بتاخد راجل وبس، دي بتدخل عيلة جديدة، والعيلة دي تستحق منها نفس الاحترام اللي هي نفسها تلاقيه.»
وفي الليلة دي، وأنا بقفل باب البيت بعد ما آخر ضيف مشي، حسيت إن الحكاية اللي بدأت بإهانة مخفية بلغة أجنبية، انتهت بحاجة أجمل بكتير من أي هدية.
انتهت بفهم متبادل، وبحدود واضحة، وبعيلة اتعلمت إن الخلاف مش لازم ينهي المحبة، وإن الاعتذار الحقيقي مش كلمة بتتقال علشان نعدي الموقف، لكنه تغيير بيبان في التصرفات.
أما الشقة، ففضلت باسمي لحد ما أقرر مصيرها، من غير ضغط ولا استعجال.
وكنت كل ما أفتكر إن نادين كانت فاكرة إني جاهلة، أبتسم وأقول لنفسي إن العلم مش بس إنك تعرف لغات كتير، ولا إنك تحمل شهادات، العلم الحقيقي إنك تعرف إمتى تتكلم، وإمتى تسكت، وإمتى تسامح، وإمتى تحط حد يحمي كرامتك.
ومن يومها، ما بقيتش أشوف الظرف الأحمر باعتباره ظرف فيه ستمائة جنيه، لكن باعتباره بداية حكاية غيرت نظرتنا كلنا للحياة.
حكاية فهمتني إن أغلى هدية ممكن أقدمها لابني مش شقة ولا فلوس، لكن إني أسيبه يبني حياته بنفسه، وأفضل جنبه من غير ما أتحكم فيه.
وأغلى هدية ممكن أقدمها لمرات ابني مش عقد ملكية، لكن فرصة إنها تتعلم وتصلح غلطها وتبقى جزء حقيقي من العيلة.
وأغلى هدية أقدمها لنفسي إني أعيش بكرامتي، وأفضل طيبة من غير ما أكون ضعيفة، وأسـامح من غير ما أتنازل عن حقي.
وفي النهاية، فضلت مؤمنة إن اللي يدخل حياتنا لازم يدخلها من باب الاحترام، واللي يغلط يقدر يصلح غلطه، واللي يحب بصدق عمره ما هيقيس مكانته في قلوبنا بحجم الهدية اللي أخدها مننا.
لأن الإنسان مش بيتعرف على حقيقته في يوم ما ياخد فيه حاجة غالية، لكنه بيتعرف على حقيقته في اللحظة اللي يكتشف فيها إن الحاجة اللي كان مستنيها مش من حقه، ويقرر وقتها يتصرف إزاي.
ونادين في يوم فرحها اختارت الغلط، لكنها بعد كده اختارت تصلح اللي عملته.
وأنا اختارت ما أفضحهاش، لكن كمان ما أسمحش لها تهينني.
وكريم اختار يتعلم إن الحب مش معناه إنه يوافق على كل حاجة، وإن احترام أمه مش ضد احترام مراته، وإن البيت السليم هو اللي كل فرد فيه يعرف حدوده وحقوقه وواجباته.
أما محمود، ففضل يذكرني دايمًا إن الهدوء قوة، وإن الإنسان اللي واثق في نفسه مش محتاج يثبت للناس إنه أفضل منهم.
وهكذا، انتهت حكاية الفرح اللي بدأ بظرف أحمر وستمية جنيه، وفضلت الشقة مجرد شقة، والفلوس مجرد فلوس، لكن الدرس اللي اتعلمناه كلنا فضل أغلى من أي ثروة.
الاحترام مش بيتشترى بالدهب، والمحبة مش بتتقاس بالهدايا، والإنسان اللي يعرف قيمة نفسه يقدر يسامح، لكن عمره ما ينسى إن كرامته خط أحمر.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى