عام

مصيف الكاتبه امانى سيد 1و2

وصلنا الشاليه، ونزلنا، واتفاجئت بشخص تاني تماماً غير اللي عايشة معاه.. واحد بيجري يشيل الشنط عن خالته وبنتها بكل ذوق، يضحك ويهزر مع الكل، وداخل المطبخ يسألهم تشربوا إيه وتطلبوا أكل منين. أول ما دخلت وراه عشان اساعده وكلمته، ملامح وشه اتقلبت في ثانية ورجع لنفس التكشيرة والبرود، ورد عليا باقتضاب: “شوفي العيال ونضفيلهم هدومهم بلاش دوشة”.

بصيت على حماتي وخالته اللي كانوا قاعدين تحت الشمسية، لقيتهم بيبصوا لبعض ويبتسموا بخبث ورضا، وكأن المشهد ده عادي جداً أو حتى مرتبين له ومبسوطين بيه، ومحدش فيهم فكر للحظة يحترمني أو يراعي مشاعري وأنا واقفة زي الغريبة اللي ملهاش أي قيمة وسطهم.

مقالات ذات صلة

الدم غلى في عروقي، وحسيت بنار قايدة في صدري، إهانة وكسرة نفس مقدرتش أتحملها أكتر من كده.. سيبت الولاد يلعبوا في الرملة، وقربت من حرف المية، وناديت عليه بصوت عالي وثابت هز كل اللي حوالينا: “تعالى هنا حالا!”.

أول ما سمع صوتي، وقف مكانه ونزلها بسرعة، وملامح وشه فجأة اتحولت من الضحك للغضب والبرود، وطلع من المية وهو بينفخ وبيبصلي بقرف وبيقول: “خير؟ جاية تنكدي علينا هنا كمان؟”.

وقفت قدامه ثواني مكنتش قادرة أستوعب البجاحة.. بيبصلي بقرف وبيقولي “جاية تنكدي علينا؟” وكأني أنا اللي غلطانة، كأني أنا اللي خربت اللحظة الرومانسية اللي عايشها مع بنت خالته قدام ولاده الصغيرين!

مسكت إيدي في بعضها عشان أمنع الرعشة اللي في جسمي، وصوتي طلع حاد وواضح وسط صوت الموج: “أنكد عليك؟ هو ده اللي فارق معاك يا أستاذ؟ يا بجاحتك يا أخي!”

حماتي وخالته قاموا من مكانهم وجايين يجروا علينا، وبنت خالته كانت لسه واقفة في المية، بتعدل شعرها ومبتسمة ابتسامة مستفزة خلتني عايزة أروح أشدها من شعرها وأغرقها مكانها. حماتي وقفت قصادي وبصوت عالي زعقت: “إيه قلة الأدب دي يا بت إنتي؟! بتعلي صوتك على جوزك قدام الناس في البحر؟ ما تلمي لسانك وتحترمي نفسك شوية!”

بصيت لحماتي وضحكت بمرارة، ضحكة وجع ممزوجة بقهر السنين: “ألم لساني؟ هو أنا اللي مش محترمة نفسي برضه يا حماتي؟ ولا ابنك اللي شايل بنت أختك في حضنه وسط المية قدام ولاده ومراته؟! إنتوا إيه.. معندكوش ريحة الدم ولا الحياء؟”
خالته شهقت وحطت إيدها على صدرها: “يا نهارك مش فايت! دي زي أخته يا عميا، بترمي بنتي بكلام وسخ زي نيتك؟”

جوزي قرب مني وشه محقون دم، وعروق رقبته نافرة، ومسك دراعي بعنف: “اخرسي خالص وادخلي جوة الشاليه، حسابك معايا بعدين!”

نفضت إيدي من قبضته بكل قوتي وبصيت في عينيه مباشرة، ولأول مرة مشوفتش فيه الراجل اللي كنت بخاف أزعله، شوفت فيه شخص غريب، أناني، وميستاهلش دقيقة واحدة من عمري.

سيبته ولفيت ضهري، مشيت ناحية ولادي اللي كانوا واقفين يرتعشوا من الخوف وعينيهم ماليانة دموع. مسكت إيد بنتي وإيد ابني، وقولتلهم بصوت هادي حاولت أجمعه بالعافية: “يلا يا حبايبي.. هنرجع بيتنا.”

دخلت الشاليه، جمعت هدومنا في الشنطة في عشر دقايق وأنا سامعة دوشتهم وزعيقهم برة. طلعت بشنطتي وعيالي ولقيته واقف في الصالة بيسد الباب وهو بينفخ: “هتروحي فين بالعيال في الوقت ده؟ إنتي اتجننتي ولا إيه؟”

بصيتله بثبات مكنتش أعرف إنه عندي، وقولتله جملة واحدة خرجت من قلبي قبل لساني: “الفرحة اللي كنت مستخسرها في عيالك وفيّا، هتعيش ندمان عليها باقي عمرك.. الطريق اللي جيناه سوا خلص لحد هنا.”

طلبت تاكسي، وركبت أنا وولادي وأنا سايباه واقف مكانه مذهول، وعارفة إن الست اللي رجعت من الرحلة دي، مش هي أبداً اللي راحت معاه مغصوبة.

طول طريق السفر راجعين للقاهرة، الطريق كان ساكت، مفيش غير صوت أنفاس العيال وصوت الطريق.. بنتي ساندة راسها على كتفي وبتعيط بسكات، وابني ماسك في دراعي التاني وكأنه خايف أسيبه هو كمان. كنت بمسح على روسهم وبهمس لهم: “ماتخافوش.. ماما معاكم ومش هتسيبكم أبداً”. الدموع اللي نزلت مني في التاكسي مكنتش دموع ضعف، كانت دموع غسيل لكل ذكرياتي معاه، لكل السنين اللي ضيعتها وأنا ببرر بخله وبروده وقسوته على إنها “طبيعة راجل”.

وصلنا البيت متأخر، غيرتلهم ونيمتهم في حضني، وأول ما اطمنت إنهم ناموا، التليفون بدأ يرن.. اسمه منور على الشاشة بمكالمات ورسايل ورا بعض، وبعدها رسايل من حماتي وأخته: “انتي اتجننتي؟ فضحتِينا قدام الناس وخربتي الإجازة”، “ارجعي لعقلك يا بت وبلاش حركات عيال”. قفلت التليفون تماماً، وحسيت براحة وهدوء غريب عمري ما حسيته وأنا معاه في بيت واحد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى