
وقفتُ أتنقل بعيني بين أبي الذي يريد لكرامته، وأوراق المحكمة التي تحرم أرقامها وبنودها أمومتي من طفلها الوحيد… وأنا أعلم تماماً أن هذه المعركة القضائية ستستمر لسنوات، وأن الضحية الوحيدة التي ستدهس تحت أقدام الجميع… هو سليم!
مرت أيام عصيبة على بيت أبي، كان كل يوم فيها يمر كأنه عام كامل من . التي كانت تضج بالدفء تحولت إلى ساحة معركة سردابها المحاكم والمستندات. أبي لم يضيع دقيقة واحدة؛ في الصباح الباكر من اليوم التالي، أخذني من يدي وركبينا إلى مكتب المحامي الخاص به، رجل مخضرم وذو نفوذ واسع في الأسرية.
-
مصيف الكاتبه امانى سيد 1و2منذ ساعتين
-
فرح اخت جوزي منى السيدمنذ 3 ساعات
-
محمود حميدةمنذ 3 ساعات
-
امجد يوسفمنذ 3 ساعات
جلسنا في المكتب العالي المتشح برائحة الأوراق القديمة. كان المحامي يقلب في المحاضر وأوراق إنذار الطاعة وإسقاط الحضانة التي أرسلها هاشم، ثم ألقى بالنظارات على المكتب وبص لي قائلاً:
دموعي جرت على خدي وقلت بصوت محروق: “أهملت؟! أنا سليم ده روحي، ده العروسة هي اللي زقته وحماتي هي اللي عملت المشكلة! أنا ملحقتش أعمل حاجة يا أستاذ!”
تدخل أبي بحدة وقال: “سيبك من كلامه يا أستاذ، المهم دلوقتي نعمل إيه؟ إحنا عايزين الولد يرجع لأمه فوراً ونرفع عليه كل القضايا اللي تخلي دماغه في الأرض!”
عدنا إلى البيت، وكانت أمي قد أعدت لي بعض الطعام، لكنني لم أستطع إدخال لقمة واحدة في فمي. جدران غرفتي القديمة كانت تطبق عليّ، وصوت سليم وهو يبكي في مكالمة أخيرة قلبي ينبض في أذني.
في مساء اليوم التالي، قررت أن أفعل شيئاً مجنوناً. استغللت خروج أبي إلى المسجد لأداء صلاة العشاء، وأمي مشغول بالطبخ في المطبخ، وارتديت عباءتي الخفيفة وخرجت متسللة من البيت دون أن يلمحني أحد.
ركبت أول سيارة أجرة وتوجهت مباشرة إلى منطقتي القديمة.. إلى بيت زوجي هاشم.
سمعت خطوات داخلية تقترب، ثم فتح الباب.. لم يكن هاشم، بل كانت حماتي.
تسمرت حماتي في مكانها، وعيناها اتسعتا بشرر وغضب. نظرت إليّ من الأعلى إلى الأسفل وقالت بنبرة حاقدة: “أنتِ إيه اللي جابك هنا يا فاجرة؟ جاية بعد ما أبوك وأخوك أهانوا ابني في الفرح ورفضتم تمشوا معاه؟”
نظر إليّ أبي بعينين ملئهما حزن عميق لم أره فيه طوال حياتي، وقال بصوت خفيض ومكسور: “يا سارة… أنا حاربت عشان كرامتك وكرامة عيلتنا.. حاربت لحد ما رجلي دخلت القسم، وسمعتي اتعفرت في الشوارع. هاشم بايع ، ومستعد يهد الدنيا فوق دماغنا ودماغ ابنه عشان ينفذ كلامه.”
ثم صمت قليلاً، والتفت ينظر في عيني قائلًا:
“النهاردة، المحكمة حددت جلسة النطق بالحكم النهائي في الطلاق والتمكين للأسبوع الجاي… الحكم ده إما هي رجعلك ابنك وبيتك ويثبت حقك، إما هيفجر حرب ثانية مش هنعرف نطلع منها سالمين. هاشم بيهدد إنه بيهرب بالولد برة البلد لو الحكم طلع لصالحك، وأنا مش هسمح بكسرة عين ثانية!”
وقف أبي، ورفع يده وشد على قبضته وقال بنبرة ملؤها التحدي الأخير:
“الجلسة الجاية يا سارة… هي جلسة الفصل. يا إما تطلعي منها منتصرة ورأسك في السماء وابنك في حضنك، يا إما الكابوس ده هيبتلعنا كلنا ومحدش فينا هيقوم له قائمة ثاني!”
تسمرت في مكاني، وشعرت برعب يسرق أنفاسي… الأسبوع القادم، قاعة المحكمة ستشهد الجلسة الحاسمة والأخيرة، الجلسة التي ستقرر مصير أمومتي، ومصير ابني سليم، ومصير العائلة بأكملها… فهل سينتصر العدل وحق الأم، أم أن قسوة هاشم وانتقامه سيكتبان نهاية أبدية لحياتنا؟
مرّ الأسبوع الفاصل وكأنه دهور من الانتظار القاتل. لم تذق عيني النوم، ولا عرف لساني طعماً أو الراحة. كان بيتنا في حالة استنفار تام؛ أبي ساعات الليل يتضرع إلى الله ويرتشف دواسه، ومحمد أخي يزرع الصالة جيئة وذهاباً بخطوات متوترة، وأنا قابعة في الزاوية، أحمل بين يدي لعبة صغيرة لسليم وأستحضر صوت صراخه وهو يستغيث بي في مركز الشباب وفي قسم الشرطة.








