
جاء يوم الجلسة الحاسمة. أشرقت الشمس بضياء باهت يلف القاهرة، وكأن السماء تشاركنا ثقل هذا اليوم. ارتديت عباءتي السوداء، وركبت السيارة مع أبي ومحمد والأستاذ فاروق المحامي. كان الطريق إلى مجمع المحاكم هادئاً بشكل ، لم ينطق أحد منا بكلمة واحدة، فالقلوب بلغت الحلاقيم، والأرواح معلقة بحكم سيصدر بعد ساعات.
دخلنا القاعة الكبرى في محكمة الأسرة. كانت مكتظة بالقضايا والمحامين، لكن عيني لم تلمح سوى شيء واحد.. هاشم، يمتد بجسده الصلب بجوار أمه ومحاميه في الجهة المقابلة. كان وجهه مشدوداً، وعيناه تحملان ذات التحدي ، أو شاغلاً لخطته القادمة.
نودي على : “رقم 4852 لسنة.. سارة عبد الجواد ضد هاشم الفولي!”
-
مصيف الكاتبه امانى سيد 1و2منذ 3 ساعات
-
فرح اخت جوزي منى السيدمنذ 3 ساعات
-
محمود حميدةمنذ 3 ساعات
-
امجد يوسفمنذ 4 ساعات
وقف الأستاذ فاروق بكل ثبات، وصعد إلى الدفاع، بينما تقدم محامي هاشم يحمل أوراق بيع الصورية ومحاضر قسم الشرطة.
بدأ محامي هاشم حديثه بصوت مرتفع، يحاول التأثير على هيئة المحكمة: “يا سيادة القاضي! المدعى عليها وأهلها سلكوا مسلك بلطجة وتهجم على موكلي في بيته! وتسببوا في تلفيات ، وموكلي لبيع لسداد ديونه. ونطلب رفض دعوى التمكين ، وإلزام الزوجة ببيت الطاعة!”
هنا، وقف الأستاذ فاروق، ونظر إلى المنصة بنبرة وثوق ووقار اهتزت لها القاعة:
“سيادة القاضي المحترم.. إن ما يقدمه دفاع المدعى عليه هو محض التفاف مفضوح على القانون والتفاف أكبر على الفطرة والإنسانية! موكلي زوجة صانت بيته أربع سنوات، وحفظت غيبته، حتى كانت ليلة زفاف أخيها الوحيد.. الليلة التي حوّلها المدعى عليه إلى ! ألقى عليها يمين الطلاق بالثلاثة جهراً أمام مئات الحضور، ونزع منها طفلها الرضيع ليستخدمه كأداة ضغط وابتزاز كرامة أبيها!”
ثم رفع فاروق ملفاً أحمر واثقاً وقال:
جلس فاروق، وساد صمت خنوق في القاعة. تنحنح القاضي، ونظر في الأوراق ملياً، ثم حوّل بصره نحو هاشم وأمه، ثم نحوي ونحو أبي. رفعت يدَيّ إلى السماء، وكانت تنزل صامتة، أردد داخل قلبي: “يا رب.. يا رب سليم.. يا رب ما تحرمنيش من ابني ثاني.”
طرق القاضي بمطرقته الخشبية ثلاث طرقات هزت أركان القاعة، وقال بصوت جهوري حاسم:
“حكمت المحكمة حضوزياً:
أولاً: بتثبيت وقوع الطلاق البائن بينونة كبرى بين المدعية سارة عبد الجواد والمدعى عليه هاشم الفولي.
ثانياً: إلزام المدعى عليه بتسليم الطفل سليم فوراً لأمه المدعية، وثبوت حضانتها المطلقة له.
رابعاً: إلزام المدعى عليه بكافة المستحقات المالية والنفقة بنوعيها وأجر الحضانة منذ تاريخ امتناعه، وتكليف محضر النيابة بالتنفيذ الجبري للطفل في حال الامتناع!”
طرق القاضي المطرقة للمرة الأخيرة، وقام من مقعده!
في تلك اللحظة، تعالت الصرخات في القاعة! سقطت أمي التي كانت تنتظر بالخارج على ركبتيها تدعو، واحتضنني أخي محمد وهو يبكي بحرقة: “حقك رجع يا سارة! حقك وحق سليم رجع بالقانون!”
أما أبي، فقد وقف شامخاً، ونظرت إليه لأجد دمعة شريفة واحدة انحدرت على خده، أسرع ومسحها بيده، ثم انحنى وقبّل رأسي وقال بصوت يرتجف من التأثر: “رفعِتِ رأسي يا بنتي.. وما كسرناش كلمتنا ولا سلّمنا في حقك.”
على الجانب الآخر، تجمد هاشم في مكانه كأنه صنم من حجر! كانت أمه تصرخ وتلطم خدودها، ومحاميه يضرب كفاً بكف ويقول له: “قلتلك الموضوع قفش.. الحكم الجبري نافذ من بكرة!”
اقترب هاشم مني بخطوات ثقيلة، كانت عيناه مليئتين بالهزيمة والمرارة، ولأول مرة أرى في عينيه كسرة الكبرياء التي حاكمني بها طوال أشهر. قال بصوت خافت ومكسور: “كده يا سارة؟ بعتِ كل حاجة ودمرتِ بيتنا للمحاكم؟”
نظرت في عينيه بثبات لم أعهده في نفسي قط، وقلت له بنبرة هادئة وقوية:
“أنا ما دمرتش بيتي يا هاشم.. أنت اللي بعته عشان يمين غضب وعناد أرعن في فرح أخويا. أنت اللي اخترت تهد حيتنا وتجرجرنا في المحاكم وتستغل ابني. بالقانون أخذت حقي، وبإنسانيتي مش هحرمك من رؤية ابنك زي ما حرمتني.. بس من النهاردة، أنت بالنسبة لي صفحة وانطوت للأبد.”
كنت أقف في سيارة أخي بأسفل العمارة، وقلبي يخفق بأعلى سرعة. وبعد دقائق معدودة، رأيت باب العمارة يفتح.. وخرج منه المحضر يمسك بيد سليم!








