
في الطابق الثالث من مبنى طبي تفوح منه رائحة المعقمات، كانت الحاجة فاطمة تجلس على مقعد جلدي. كانت في السادسة والستين من عمرها، بوجه حفرت فيه السنون أخاديد من الصبر، وبعينين تلمعان بين أمل وانكسار. كانت ترتدي عباءتها السوداء، وتضع فوق رأسها طرحة رمادية. في حضنها كانت تحتضن كيسًا بلاستيكيًا شفافًا يظهر من خلاله عبوة كبيرة من مستلزمات الأطفال حديثي الولادة، بينما يدها الأخرى تستقر بحنان فوق بطنها.
وراءها كان يقف أبناؤها الثلاثة. المشهد بالنسبة لهم كان محرج. ابنتها الكبرى نهى كانت واقفة عاقدة ذراعيها وتنظر بضيق. بجانبها وقف الأخ الأكبر ماجد يمسك مفاتيح سيارته بعصبية. أما الأصغر رامي فكان شابًا منشغلًا بهاتفه.
-
شاب مصريمنذ 3 ساعات
-
اعتقدت إن رجوعي البيت قبل معاديمنذ 3 ساعات
-
عشان اخويا مريضمنذ 3 ساعات
-
بعد 69 سنه جوازمنذ 3 ساعات
عندما نادت الممرضة اسم فاطمة، تحركت ببطء. قالت نهى بلهجة حادة اتفضلي يا أمي، الدكتور مستني جوة.
دخلت فاطمة غرفة الكشف. كان الطبيب الدكتور شريف رجلًا هادئًا. استقبلهم بابتسامة. جلست فاطمة أمامه ووضعت الكيس على ركبتيها.
قالت نهى فورًا بص يا دكتور.. إحنا جايبين ماما هنا عشان نطمن. ماما عندها ستة وستين سنة، ومن كام شهر عندها اعتقاد إنها حامل! ومصممة تشتري حاجات أطفال. فحضرتك اعمل الفحص وقولها الحقيقة عشان ترتاح.
لم يلتفت الدكتور لكلام نهى، بل نظر لفاطمة وسألها بهدوء ألف سلامة عليكي يا أمي.. قوليلي حاسة بإيه؟
نزلت دمعة من عين فاطمة وقالت يا دكتور.. أنا عارفة سني، وعارفة إن جوزي الله يرحمه توفى من خمس سنين.. بس أنا مش بتخيل. بطني بتكبر كل يوم، وبقالي سبع شهور بحس بتعب الصبح، والوجع تحت بطني بيزيد، والأهم أنا بحس بحاجة بتتحرك جوة.
ضحك رامي، فنظر إليه الدكتور بنظرة جادة جعلته يصمت. قال الطبيب تمام يا أمي. اتفضلي على مكان الفحص عشان نعمل السونار ونشوف كل حاجة.
قامت فاطمة، وبمساعدة الممرضة استلقت على مكان الفحص. تقدم الدكتور وأمسك بجهاز السونار. ساد الصمت في الغرفة. تحركت يد الطبيب فوق بطنها. ملامح الطبيب تغيرت من الاهتمام إلى القلق.
قال بصوت حازم لو سمحتِ يا أمل.. خلي الأساتذة اللي معاها يطلعوا برة وينتظروا في الصالة.
قالت نهى ليه يا دكتور؟ إحنا أولادها ومن حقنا نعرف.
قال وعشان أنتم أولادها بالذات.. اطلعوا برة حالا.
خرجوا، وانغلق الباب. قالت فاطمة بصوت يرتجف في إيه يا دكتور؟
أعاد الطبيب النظر للشاشة التي كانت تعرض كتلة كبيرة. قال بهدوء يا حاجة فاطمة.. اللي في بطنك ده مش حمل.. دي حالة طبية نادرة، كتلة كبيرة تكونت جوة البطن من زمان وبدأت تكبر بسرعة في الفترة الأخيرة. هي اللي عاملة الانتفاخ والإحساس بالحركة بسبب الضغط على الأعضاء اللي حواليها. ولازم تتنقل للمستشفى فورًا لعمل اللازم.
الجزء الثاني خيوط الصوف الأصفر
لنفهم كيف وصلت فاطمة وهي تحمل مستلزمات الأطفال، يجب أن نعود سبعة أشهر للوراء. في بيتها القديم بحي الجمالية، كانت فاطمة تعيش وحيدة في شقة واسعة.
منذ وفاة زوجها، الأبناء صاروا زوارًا قلائل. ماجد كان يأتي فقط عندما تضيق به الظروف المالية ويسألها عن بيع البيت. نهى كانت تأتي وتأخذ قطعة ذهب بحجة التنظيف ولا تعيدها. ورامي كان يتذكرها فقط عندما يحتاج مصاريف.
في إحدى ليالي الشتاء، شعرت فاطمة بمغص شديد أسفل بطنها، مغص أعاد لذاكرتها آلام الولادة. شعرت بحركة قوية من الداخل. وقفت مذهولة.
في اليوم التالي ذهبت لوحدة صحية قريبة. عملت لها طبيبة تحليل مبدئي وجاءت النتيجة غير طبيعية، وقالت لها لازم تروحي لدكتور متخصص يعمل أشعة متطورة.
لكن فاطمة لم تذهب. فكرة أن هناك روحًا تنمو بداخلها، طفلًا لن يخذلها، كانت بمثابة أمل لنفسيتها المحطمة.
نزلت إلى سوق العتبة، واشترت خيوط صوف أصفر دافئ. جلست في صالتها وبدأت تنسج ملابس صغيرة للأطفال. كانت كل غرزة تصاحبها دعوة.
لكن الجيران بدأوا يلاحظون بطنها التي تكبر، وحديثها المستمر. انتشر كلام بين الجيران حتى وصل لأبنائها. تجمع الأبناء وأجبروها على النزول لعيادة الدكتور شريف.
خارج غرفة الكشف
في ممر العيادة ساد توتر بين الأبناء بعد أن أخرجهم الطبيب. قالت نهى أنتم شفتوا منظر الدكتور؟ لونه اتغير إزاي؟ أنا بقول أمنا فيها مشكلة كبيرة.
نظر إليها ماجد وقال معاكي حق. الشقة دي لو اتباعت هتعمل مبلغ كبير. بس الغريبة إيه اللي يخليها تتخيل كده؟
أما رامي فقال يا جماعة افرضوا الدكتور قال إنها محتاجة عملية كبيرة في مستشفى خاص؟ المصاريف دي مين اللي هيدفعها؟
في تلك الأثناء فتحت الممرضة الباب بسرعة وقالت محتاجين سيارة إسعاف مجهزة حالًا لعيادة الدكتور شريف.. حالة طارئة جدًا.. لازم تتنقل فورًا!
عند سماع كلمة إسعاف، قلق الأبناء. سأل ماجد في إيه يا آنسة؟ أمنا مالها؟
لم تجبه الممرضة، بل دخلت مسرعة وأغلقت الباب.
داخل الغرفة كانت فاطمة جالسة. كان الطبيب يقف ويحمل عبء القرار. قالت له بصوت باكي قولي يا ابني.. أنا فيا إيه؟
جلس الدكتور أمامها وقال يا حاجة فاطمة.. اللي جوة بطنك ده كتلة كبيرة تكونت من خلايا كانت نايمة من زمان وبدأت تنمو فجأة. الكتلة دي حجمها كبير وبتضغط على الأعضاء حواليها، وهي السبب في الحركة اللي كنتِ بتحسي بيها. والكتلة دي على وشك إنها تسبب مضاعفات خطيرة، ولو ده حصل هيعمل مشكلة كبيرة. إحنا طلبنا الإسعاف ولازم تتنقلي حالًا للمستشفى.
وصول المستشفى
وصلت سيارة الإسعاف. نزل المسعفون يحملون النقالة. خرجت فاطمة مستلقية، وجهها شاحب وعيناها مغمضتان وهي تردد آيات.
في مستشفى التخصصي كانت الطوارئ مستعدة. تم إدخال فاطمة فورًا. اجتمع فريق طبي.
قال البروفيسور جلال الحالة دي نادرة جدًا من الناحية الطبية. كتلة بهذا الحجم في سيدة تبلغ 66 عامًا! الكتلة تضغط على الأوعية الرئيسية، مما يهدد صحتها في أي لحظة. جدار الكتلة ضعيف جدًا. نسبة نجاح العملية تحتاج دقة عالية بسبب سن المريضة، لكن ليس لدينا خيار آخر.. إذا لم نتدخل الآن حالتها هتتدهور خلال ساعات.
في الخارج كان الأبناء يجلسون في صالة الانتظار. الساعة تجاوزت الثانية صباحًا.
جلس ماجد وقال الدكتور جوة بيقول دقيقة. لو حصل لها حاجة، الشقة لازم تتأمن.
نظرت إليه نهى وقالت متقلقش.. أنا معايا نسخة المفتاح.
أما رامي فكان بعيدًا يضع سماعات الأذن.
داخل غرفة العمليات كان الأطباء يرتدون ملابسهم المعقمة. أجهزة القياس تصدر نغمات منتظمة.
بدأت العملية المعقدة لفصل الكتلة. كانت كل حركة تحتاج حذر. استخدم الأطباء أجهزة طبية للسيطرة على الوضع.
فجأة تغيرت نغمة جهاز المراقبة. صرخ طبيب التخدير الضغط بينزل! المريضة بتدخل في صدمة!
توقف البروفيسور ونظر للمؤشرات وشعر بصعوبة الموقف. كانت الكتلة قد بدأت تسبب تسريب.
برزخ بين الحياة
في الممر انتبه الأبناء لحركة سريعة للممرضات. خرج طبيب شاب فاعترضه ماجد قائلاً في إيه يا دكتور؟ أمي جرى لها حاجة؟
قال الطبيب وهو يركض الحالة صعبة.. بنحاول ننقذها!
وقفت نهى وشعرت بقلق حقيقي لأول مرة. قال رامي هي ماما هتروح بجد؟
في الداخل كان الأطباء يحاولون. قال البروفيسور جلال جهاز الصدمات.. ابعدوا!
تم وضع الجهاز. انتفض جسد فاطمة ثم عاد المؤشر ليتعرج من جديد معلنًا عودة النبض وإن كان واهنًا.
بسرعة فائقة قام البروفيسور باستكمال فصل الجزء المتبقي من الكتلة. تم إخراج الكتلة الضخمة بالكامل ووضعها في وعاء معدني للفحص. كانت تزن حوالي سبعة كيلوغرامات.
بدأ الأطباء بتنظيف تجويف البطن بمحاليل معقمة ثم بدأوا في الخياطة. استغرقت العملية خمس ساعات.
يقظة
نُقلت فاطمة إلى الرعاية المركزة. في العاشرة صباحًا بدأت تفتح عينيها ببطء. شعرت بثقل وألم مكان العملية. رأت الممرضة أمل تقف بجوارها وتبتسم.
حمد لله على سلامتك يا حاجة فاطمة.. أنتِ بطلة، عديتي من مرحلة صعبة، قالت الممرضة.
حاولت فاطمة الكلام بصوت ضعيف بطني فضيت؟
هزت الممرضة رأسها وقالت الدكتور جاي حالا وهيشرح لك كل حاجة.. المهم دلوقتي إنك بخير.
بعد دقائق دخل الدكتور شريف ومعه البروفيسور. قال البروفيسور حاجة فاطمة.. الورم اللي كان في بطنك شلناه بالكامل.. وهو دلوقتي في المعمل للتحليل.
وقال الدكتور شريف يا أمي فاطمة.. أنتِ مكنتيش حامل.. اللي كان جوة بطنك ده كتلة تكونت بشكل غير طبيعي. الكلام ده خلص يا أمي.. بطنك رجعت طبيعية، والوجع هيروح مع الوقت. بس لازم تفوقي لنفسك.. أنتِ ست مؤمنة والحمد لله ربنا كتب لك عمر جديد.
نزلت دموع فاطمة. شعرت بالفراغ. تذكرت الصوف الأصفر، وشعرت بوحدة.
في تلك اللحظة سمح الأطباء للأبناء بالدخول لدقائق. تقدم ماجد وسأل البروفيسور يا دكتور.. يعني هي كده خفت؟ وهتخرج امتى؟
رد البروفيسور بنظرة احتقار الوالدة هتفضل هنا أسبوع على الأقل تحت الملاحظة، ومحتاجة راحة ورعاية في البيت.. رعاية أنتم واضح إنكم متعرفوش عنها حاجة. اتفضلوا برة دلوقتي.
خرج الأبناء، وسمعتهم فاطمة وهم يتشاجرون في الممر:
أنا مش هقعد معاها في البيت يا ماجد.. أنا جوزي مش هيوافق أسيب بيتي.
رد ماجد ولا أنا مراتي هترضى.. إحنا نشوف لها حد يساعدها بفلوس من معاشها تقعد معاها، وإحنا نبقى نعدي عليها كل أسبوع!
أغلقت فاطمة عينيها، واستمعت لكلماتهم التي كانت أشد من أي تعب.
عودة للبيت
مر أسبوع وتحسنت حالة فاطمة. جاء ماجد بسيارته ومعه نهى. ركبت فاطمة في المقعد الخلفي بصمت. وصلوا البيت. صعدت السلم ببطء.
دخلت صالتها، ونظرت لصور زوجها، ثم اتجهت لغرفتها. في زاوية الغرفة كان مكان مخصص للأطفال الأبيض يقف كما تركته. وبجانبه كانت ترقد خيوط الصوف الأصفر.
تقدمت نهى وأمسكت بالصوف وقالت بقسوة الكركبة دي هي اللي عملت فيكي كده.. أنا هاخد الحاجات دي أرميها!
قالت فاطمة بصوت حاد سيبيهم يا نهى! تجمدت نهى.
تابعت فاطمة بحزم سيبيهم مكانهم.. الصوف ده هو الحاجة الوحيدة الحقيقية اللي فضلت لي. دي الحاجة اللي خلتني أحس إني إنسانة وعندي قلب.. في الوقت اللي أنتم نسيتوا فيه إن لكم أم.
ارتبك ماجد وقال جرى إيه يا أمي؟ إحنا تعبنا معاكي الأسبوع اللي فات.
ضحكت فاطمة ضحكة مريرة ثم قالت تعبتوا معايا؟ أنا سمعتكم وأنتم واقفين بتتخانقوا مين اللي هيقعد بيا، ومين اللي هياخد الشقة! أنا مش مغفلة.
تغيرت ملامح ماجد ونهى. قال ماجد طيب مادام جيبتيها لبرة.. إحنا فعلا محتاجين الفلوس. الشقة دي كبيرة عليكي وأنتِ ست لوحدك ومريضة.. إحنا هنشوف لك مكان صغير ونبيع البيت.
نظرت إليهم فاطمة وقالت بهدوء اتفضلوا برة بيتي.. حالا.
قالت نهى نخرج فين؟ إحنا ولادك ومن حقنا نورث!
قالت فاطمة وهي تتجه نحو التليفون أنا هطلب لكم حد من الجيران وأقول إنكم داخلين بيتي عشان تضغطوا عليا.. بررررة!.
رأى ماجد الإصرار في عينيها. أخذ مفاتيحه بغضب وقال لنهى يلا بينا يا نهى.. سيبك منها دلوقتي. وخرجا مغلقين الباب بعنف.
الوصية الأخيرة
عادت الوحدة للشقة، لكنها هذه المرة لم تكن وحدة انكسار، بل وحدة تحرر. جلست فاطمة أمام الشباك. نظرت لمكان الأطفال وقررت أن تحول الحلم لحقيقة بطريقة ترضي الله.
استدعت محاميًا قديمًا من أصدقاء زوجها يُدعى الأستاذ توفيق.
خير يا حاجة فاطمة؟ طلبتيني وجيت بسرعة.. عرفت باللي حصل لك.
قالت فاطمة وهي تضع أمامه أوراق الشقة وعلبة ذهب الله يسلمك يا أستاذ توفيق. أنا عايزة أعمل وصية شرعية موثقة في الشهر العقاري.
نظر توفيق وسألها عايزة تقسمي الورث بين ماجد ونهى ورامي؟
ردت بنبرة قاطعة لا.. ولادي برة الوصية دي تمامًا. أنا عايزة أهب شقة الجمالية دي كلها لجمعية كفالة الأيتام.. يقلبوها دار رعاية للأطفال. والدهب يتباع وفلوسه تدخل في حساب الدار عشان يصرفوا منها على أكل ولبس وتعليم الأطفال. أنا مش هسيب لهم حاجة.
تفاجأ المحامي وقال يا حاجة فاطمة.. ده قرار كبير، وأولادك ممكن يعملوا مشاكل.
قالت عشان كده جبتك.. أنت عارف إزاي تخلي الهبة قانونية ومفيش ثغرة فيها. أنا عشت سبع شهور مقتنعة إن ربنا هيوهبني طفل يونس وحدتي، واكتشفت إنها حالة طبية.. بس أنا فهمت الرسالة. ربنا مكنش عايز يديني طفل من بطني، ربنا كان بيفكرني بآلاف الأطفال اليتامى اللي محتاجين حضن أم.. ومحتاجين المكان الأبيض والصوف الأصفر اللي أنا عملته. الشقة دي هتتملا أطفال.. بس مش أطفالي أنا، أطفال ربنا اللي ملهمش حد.
تم الأمر كما أرادت. ذهبت في اليوم التالي ووقعت على الأوراق التي جردت أبناءها من أموالها ومنحت الحياة لمستقبل أطفال لا تعرفهم.
عندما عادت لبيتها شعرت براحة لم تشعر بها منذ عقود. دخلت غرفتها وأمسكت بإبر الصوف الأصفر وبدأت تكمل غزل الملابس الصغيرة. لم تكن تبكي هذه المرة، بل كانت تبتسم وهي تتخيل الأقدام الصغيرة التي سترتدي هذه الملابس في الشتاء القادم.
بعد ثلاث سنوات
مرت ثلاث سنوات. في شتاء عام 2029، الحاجة فاطمة بسلام وهي نائمة، ووجهها يحمل ابتسامة هادئة. لم يكن بجوارها أحد من أبنائها عند وفاتها، بل اكتشف أمرها البواب.
جاء الأبناء الثلاثة مسرعين يرتدون ملابس سوداء. دفنوا أمهم، وفي طريق عودتهم كانوا يتحدثون بلهفة عن الشقة. دخل ماجد الشقة ومعه نهى ورامي.
أخيرًا.. الشقة بقت ملكنا، قال رامي.
تقدم ماجد نحو الدولاب ليبحث عن الأوراق والدهب فلم يجد شيئًا.
وفي تلك اللحظة رن جرس الباب. فتح ماجد، ليجد الأستاذ توفيق المحامي ومعه رجلان وسيارة نقل كبيرة تابعة لدار الأيتام.
أهلاً يا أساتذة.. البقاء لله، قال الأستاذ توفيق ببرود.
قال ماجد أهلاً.. خير؟ جاي في إيه دلوقتي؟
أخرج توفيق ملفًا رسميًا مختومًا وقدمه لماجد قائلاً أنا جاي بصفتي الوكيل القانوني للمرحومة والدتكم. دي أوراق ملكية الشقة وعقد الهبة الموثق من ثلاث سنين. الوالدة وهبت الشقة دي بالكامل لتكون فرعًا للدار، والدهب تم بيعه ودخل في حساب الأيتام بالفعل. معاكم 24 ساعة تفضوا متعلقاتكم الشخصية، لأن بكره العمال هيجوا يجهزوا المكان عشان يستقبل الأطفال.
سقطت الأوراق من يد ماجد، نهى بجنون أنت بتقول إيه؟ دي أكيد مؤامرة! إحنا هنرفع قضايا!
نظر إليها الأستاذ توفيق وقال قبل ما ترفعي قضايا، اتفرجي على التقرير الطبي اللي في الملف.. التقرير ده موقع عليه البروفيسور جلال والدكتور شريف، وبيأكد إن الوالدة بعد العملية كانت بكامل قواها العقلية. القضايا خسرانة من قبل ما تبدأ.
بعد عدة أشهر تحولت شقة الجمالية إلى مكان ينبض بالحياة. طُليت الجدران بألوان مبهجة. أصبحت الصالة الواسعة غرفة ألعاب كبيرة مليئة بالضحكات البريئة للأطفال الذين وجدوا مأوى دافئًا.
وفي غرفتها القديمة وضعت المشرفة على الدار المكان المخصص للأطفال الخشبي الأبيض بعد أن أعادت ترميمه، وفوقه وضعت تلك الملابس المصنوعة من الصوف الأصفر الدافئ التي غزلتها فاطمة.
في ليلة شتوية باردة، جلست المشرفة تلبس طفلاً يتيمًا يبلغ من العمر عدة أشهر تلك الملابس الصفراء لتجلب له الدفء. نظر الطفل وابتسم، كأنه يرى طيف عجوز ودودة تقف في زاوية الغرفة، تهمس في صمت المكان بترنيمة الأمومة الحقيقية التي لم تمت، بل ولدت من جديد في قلوب هؤلاء الصغار.







