قصص و روايات

قصة امانى سيد

وبدأت أول خطوة أنني اعترفت بكل شيء لأهلي من غير ما أختلق أعذار، قلت لهم أنا قصرت في حق زوجتي وأولادي وأنا لم أكن صادقاً وأنا فضلت بيتي الثاني بطريقة أضرت بالأول، ولما حاول أهلي أن يلقوا اللوم على زوجتي الأولى قلت لهم لا أحد يلومها، أنا المخطئ، ولما قال أحد وما ذنب الثانية؟ قلت لهم هي أيضاً إنسانة ولها حقوق لكن أنا الذي سمحت أن تصل الأمور لمرحلة مؤذية وكان يجب أن أضع حدوداً من البداية.

بعدها راجعت حسابات المصاريف وقسمت المرتب بعدل حقيقي ليس حسب مزاجي ودفعت متأخرات المدارس واشتريت الأدوية وبدأت أقضي وقتاً مع أولادي لكن زوجتي الأولى لم تعد كما كانت في البداية، كانت تتعامل معي باحترام لكن من غير قرب، وهذا كان أصعب من أي خلاف، كنت أتمنى أن تغضب وتصرخ لكي أعرف أن أعتذر وأصالحها لكن هدوءها كان معناه أنها تعلمت أن تعيش من غير أن تنتظر مني شيئاً.

مقالات ذات صلة

وبعد شهر تقريباً وأنا عائد من عملي وجدتها جالسة مع الأولاد تحضر لهم العشاء وسمعت ابني يضحك لأول مرة منذ فترة، دخلت وجلست بعيداً عنها وقلت لها أنا أعرف أنك لا تزالين موجوعة، قالت لي نعم، قلت لها وأنا لن أضغط عليك، قالت لي جيد، قلت لها لكن أريد أن أقول لك شيئاً، قالت لي قل، قلت لها أنا فهمت أن العدل ليس أن يقول الواحد أنا أحب الاثنتين، العدل أن كل واحدة تأخذ حقها من غير ما أظلمها من أجل الأخرى، قلت لها وأني عندما جعلت واحدة تشعر أنها تكسب كل شيء والثانية تخسر كل شيء كنت أخلق مشكلة أكبر من الزواج نفسه، قالت لي الآن فهمت؟ قلت لها للأسف بعد ما دفعت الثمن، قالت لي المهم ألا تجعل أولادك يدفعونه معك.

وبعدها سكتنا لكن لأول مرة كان السكوت ليس خانقاً، كان فيه مساحة صغيرة للأمل.

وبعد فترة حدث شيء لم أكن أتوقعه، زوجتي الثانية عادت تتصل بي وقالت لي أريد أن أقابلك، قلت لها لماذا؟ قالت لي يجب أن نتحدث. قابلتها في مكان عام وكانت مختلفة تماماً عن آخر مرة رأيتها، قالت لي أنا كنت أظن أنك تحبني أكثر منها لأنني كنت أسمع منك كلاماً كثيراً لكن بعد ما حدث فهمت أنك كنت تحاول أن ترضيني على حساب أشخاص آخرين، قلت لها أنا لن أبرر، قالت لي وأنا أيضاً أخطأت عندما تعمدت أن أوجعها وعندما سجلت كلامك وأرسلته لها وعندما جعلتك تختار وأنا أعرف أن عندك طفلاً مريضاً لكن قالت لي أنا كنت أريد أن أشعر أنني الأولى بأي ثمن، قلت لها وأنا سمحت لك بهذا، قالت لي لهذا أنا لست قادمة لألومك وحدك، أنا قادمة لأقول لك إننا الاثنين كنا نغذي أسوأ ما في بعض، قلت لها وأنت تريدين ماذا الآن، قالت:

لي عايزة ننهي العلاقة باحترام، قلت لها يعني إيه؟ قالت لي أنا مش عايزة أكون سبب في التأثير على استقرار بيتك الأول ولا عايزة أعيش طول عمري في منافسة مع سيدة أخرى، قالت لي أنا كنت عايزة أشعر أنني مفضلة عليها لكن اكتشفت أن الإنسان عندما يبني سعادته على ألم غيره يظل قلقاً طول الوقت أن الألم يعود له، قلت لها ربنا يوفقك، قالت لي ويوفقك، لكن قبل ما أمشي قالت لي شيئاً واحداً، قلت لها ما هو؟ قالت لي خلي بالك من أولادك لأنهم سيكبرون ويتذكرون كل شيء حتى لو لم يقولوا.

وأنا عدت للبيت يومها وأنا لأول مرة أشعر أن الاثنتين انتهتا بداخلي بطريقة مختلفة، الثانية انتهت كعلاقة والأولى بدأت تتحول من زوجة كنت أعتبر وجودها مضموناً لإنسانة يجب أن أكسب ثقتها من جديد.

وفي الأيام التي بعدها بدأت أكتشف تفاصيل كثيرة كنت غافلاً عنها، ابني كان يخاف عندما ترتفع حرارته وكان يقول لأمه بابا سيأتي أم لا، وكانت ابنتي كل ما تسمع صوت سيارة تقف أمام البيت تسأل هل بابا جاء أم لا، وأنا كنت أظن أن غيابي مجرد غياب رجل عن بيت لكن اكتشفت أن غيابي كان يترك فراغاً في قلوب أطفال ليس لهم ذنب في اختياراتي.

وفي مرة ابنتي سألتني سؤالاً صغيراً لكنه هزني، قالت لي بابا أنت تحبنا مثل قبل؟ قلت لها طبعاً، قالت لي لماذا كنت تغيب كثيراً؟ قلت لها بسبب العمل، قالت لي ماما قالت إنك كنت تعمل كثيراً لكن أنا أعرف أنك كنت تذهب لمكان آخر. سكت ولم أعرف أن أقول لها غير الحقيقة، قلت لها أنا أخطأت يا ابنتي، قالت لي يعني أنت كنت تقول لنا غير الحقيقة؟ قلت لها نعم، قالت لي هل ستقول غير الحقيقة مرة أخرى؟ قلت لها لا، ومن يومها فهمت أن إصلاح البيت ليس بكلمة أنا آسف، إصلاحه أنك تعيش كل يوم بطريقة تثبت أنك تغيرت.

ومرت شهور طويلة وأنا ملتزم ببيتي وبأولادي وبحقوق كل طرف من غير ما أسمح للمنافسة تدخل بينهم وزوجتي الأولى بدأت تفتح كلام معي مرة أخرى لكن العلاقة لم تعد مرة واحدة، كانت تتحسن خطوة وتتراجع خطوة وكل ما أظن أنها اقتربت كنت أجدها خائفة أن تصدقني.

وفي ليلة وأنا جالس مع ابني بعد ما نامت أخته قال لي بابا هل ستظل معنا؟ قلت له نعم، قال لي يعني لن تبتعد مرة أخرى؟ قلت له لا، قال لي وعد؟ قلت له وعد، لكن هذه المرة الوعد ليس كلاماً فقط، وبعدها احتضنني وأنا شعرت أن هذا الطفل هو الذي كان يعلمني معنى المسؤولية من غير ما يعرف.

وفي صباح يوم الجمعة دخلت المطبخ وجدت زوجتي الأولى تحضر الفطار وعندما رأتني قالت لي ضع الشاي على السفرة، قلت لها حاضر، كانت جملة عادية جداً لكنها بالنسبة لي كانت علامة كبيرة لأن من شهور كانت كل كلمة بيننا ثقيلة جداً. جلسنا كلنا على السفرة والأولاد يتشاجرون على آخر قطعة جبن وأنا ضحكت لأول مرة من قلبي وزوجتي نظرت لي وضحكت هي أيضاً.

وبعد الفطار قالت لي نحتاج أن نذهب لنشتري أشياء للبيت، قلت لها نذهب كلنا، قالت لي لا دع الأولاد يلعبون وتعال أنت معي، شعرت وقتها أن هناك باباً صغيراً ينفتح، قلت لها حاضر.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى