قصص و روايات

قصة امانى سيد

ونحن في الطريق لم يكن هناك كلام كثير وبعد قليل قالت لي أنا لن أنسى ما حدث، قالت لي وأنا لا أطلب منك أن تنساه، قلت لها أعرف، قالت لي لكن أنا أرى أنك تتغير، قلت لها أحاول، قالت لي استمر، قلت لها سأستمر، قالت لي من أجلك ومن أجل الأولاد، قلت لها ومن أجلك أنت أيضاً، قالت لي أنا لا أستطيع أن أقول لك إن كل شيء عاد كما كان لكن ربما مع الوقت نستطيع أن نعيش من غير أن ننظر للخلف.

وقتها فهمت أن التسامح الحقيقي ليس أن يمسح الإنسان الماضي، التسامح الحقيقي أنه يقرر ألا يسمح للماضي أن يتحكم في كل يوم جديد.

مقالات ذات صلة

وفي آخر الطريق اكتشفت أنني كنت أظن أنني أملك بيتين لكن الحقيقة أنني كنت أخسر بيتاً كل يوم وأنا أضحك وأقول لنفسي إنني أكسب الثاني. كنت أظن أن المال يعوض الاهتمام وأن الهدايا تعوض الغياب وأن الكلام الجميل يمحو التقصير لكنني اكتشفت أن الإنسان قد يشتري أفخم غرفة في فندق ويقضي فيها أجمل أسبوع لكنه لو خسر ثقة ابنه أو جرح قلب أم أولاده فلن تنفعه كل الأماكن ولا الهدايا.

وبعد شهور من يوم المستشفى وقفت أمام باب غرفة ابني وهو نائم ونظرت له وتذكرت الليلة التي كنت بعيداً فيها وهو يحتاج رعاية وقلت لنفسي إن أخطر شيء فعلته في حياتي ليس أنني تزوجت مرتين، أخطر شيء أنني سمحت لنفسي أن أقتنع أن الحب معناه أن تختار شخصاً وتعطيه كل شيء حتى لو أثرت سلباً على كرامة باقي الناس، لأن الحب لو جعلك غير عادل فهو ليس حباً بل أنانية، وأنا كنت أنانياً.

وعندما عدت لزوجتي الأولى في تلك الليلة قلت لها أنا لا أريد منك وعداً ولا مسامحة ولا حتى أن تنسي، قالت لي ماذا تريد إذن؟ قلت لها فرصة أثبت لك أن الرجل الذي سمعتيه في التسجيل ليس بالضرورة أن يظل هو أنا، قالت لي هذه الفرصة ليست بيدي وحدي، قلت لها أعرف، قالت لي الأيام هي التي ستقول، قلت لها وأنا مستعد أن أنتظر.

وبعدها دخلت لتنام وأنا ظللت في الصالة أتأمل البيت الذي كنت أظن أنه مضمون وفهمت أن الإنسان ممكن يخسر بيته وهو داخل البيت وممكن يرجعه ليس بكلمتين ولا باعتذار كبير لكن بسلسلة طويلة من الأفعال الصغيرة التي تقول كل يوم أنا تغيرت.

وفي النهاية ابني كبر وبقى كل ما يحكي عن طفولته يتذكر أيام المستشفى ويقول إن ماما كانت شجاعة وإن بابا جاء في الآخر وأنا كل مرة أسمع كلمة في الآخر كانت تؤلمني لكنها كانت أيضاً تذكرني أن بعض الأخطاء قد تمر الحياة بعدها لكن أثرها يظل يعلمك طول العمر.

وبعد سنوات كنت جالساً مع أولادي على السفرة وزوجتي الأولى أمامي وابنتي تضحك وابني يحكي موقفاً من المدرسة وفجأة زوجتي نظرت لي وقالت لي هل تذكر أول يوم عدت فيه من السفر؟ قلت لها أتذكره، قالت لي أنا يومها كنت أظن أن كل شيء انتهى، قلت لها وأنا أيضاً كنت أظن ذلك، قالت لي لكن ربما الذي انتهى كان الشخص الذي كنت أعرفه والذي بدأ كان شخصاً آخر، قلت لها يا ليت أكون استحققت الفرصة، قالت لي أنا لن أقول لك استحققت أم لا لكن سأقول لك إنك أخيراً فهمت شيئاً مهماً، قلت لها ما هو؟ قالت لي إن السيدة التي تصون بيتك وأولادك لا تحتاج منك كلاماً كبيراً تحتاج أن تراك وقت الشدة موجوداً.

وعندما قالت هذه الجملة نظرت لابني وابنتي وعرفت أن هذا كان كل الدرس من البداية.

يقدر يرضي اثنتين لكن الحقيقة أن الرجل القوي هو الذي يعرف يوقف نفسه عندما يجد نفسه يظلم أحداً وهو الذي يقدر يقول لا حتى لو قلبه يريد أن يقول نعم، وهو الذي يعرف أن الأولاد ليس ذنبهم في صراعات الكبار وأن الكرامة ليست لعبة وأن أي بيت يبنى على ألم إنسان آخر لابد أن يدفع ثمنه يوماً ما.

وأنا لا أعرف هل زوجتي الأولى سامحتني بالكامل أم لا، ويمكن عمرها ما تنسى ويمكن هذا حقها، لكن الذي أعرفه أنني كل يوم أحاول أكون الرجل الذي كان يجب أن أكونه من البداية، وأولادي عندما يحتاجونني يجدونني وزوجتي عندما تتكلم أسمعها وعندما أختلف معها لا أستخدم قوتي ولا مالي ولا أي طرف آخر لكي أضغط عليها، لأنني عرفت أخيراً أن أكبر خسارة في حياة الرجل ليست أن امرأة تتركه، أكبر خسارة أنه يخسر احترام أولاده له وأن ابنه في يوم من الأيام ينظر له ويقول بابا أنا لا أريد أن أصبح مثلك.

وآخر مرة سمعت فيها جملة مشابهة كانت من ابني وهو في سن صغير عندما كان يلعب مع أخته ويقلدني وهو يقول لها أنا بابا أنا أحبكم جميعاً وسأظل معكم، فضحكت وقتها لكن ضحكتي توقفت فجأة لأنني فهمت أن الأطفال ليسوا فقط يسمعون كلامنا، الأطفال يتعلمون منا معنى الحب والوفاء والعدل، وأنا كنت على وشك أن أعلمهم أن الأقوى يستطيع أن يظلم وأن من يحبك يجب أن يثبت حبه على حساب غيرك، لكن ربنا أعطاني فرصة قبل أن يترسخ هذا الدرس فيهم وأنا قضيت باقي عمري أحاول أغير الصورة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى