قصص و روايات

حماتى كانت تاخد ابنى عندها كل جمعه عشان تحفظه قران

2
حماتى كانت تاخد ابنى عندها كل جمعه عشان تحفظه قران
رفعت عيني لجوزي وقلبي كان بينبض بسرعة لدرجة حسيت إنه هينفجر من صدري:
—مراتك التانية مين؟
لكن ابني شد هدومي وقال بصوت مرتعش ومليان خوف:
—ماما… الست اللي في الصورة أنا شوفتها عند تيتة.
سألته بلهفة ويدي كانت بتترعش وهي تمسك كتفه الصغير:
—إمتى يا حبيبي؟ إمتى شوفتها؟
قال وعيونه بتتحرك بيني وبين أبوه اللي لسه قاعد زي الحجر ولا حركة منه:
—كل جمعة… كل مرة أروح عند تيتة، بلاقيها قاعدة معاها في الأوضة الكبيرة، وبيكون معاها ولد صغير أصغر مني بشوية.
وبعدين بص لأبوه بدموع بدأت تتراقص في عيونه وقال الجملة اللي خلت جوزي يقع على الكرسي ويده تترنح على الطاولة قدامه:
—وبابا بييجي ياخد أخويا منها قبل ما يرجعلك من الشغل… بيجي وهو لسه بملابس الشغل، وبياخده من الباب ولا يكلم حد، ومرات تانية بيقعد معاها شوية قبل ما يمشي.
سكتت الدنيا كلها في البيت. ما سمعتش غير صوت تنفس ابني السريع، وصوت دقات الساعة القديمة اللي كانت معلقة على الحيطة، وقلبي اللي كان بيطرق في وداني كأنه جرس بيدق نذير شؤم.
بصيت لجوزي، وعيوني كانت مليانة دموع ما نزلتش لحد دلوقتي، من الصدمة اللي شلت كل جسمي. كان لسه عينيه مفتوحة على وسعها، وبص لابنه كأنه بيشوفه لأول مرة، وشفاهه بتتحرك بلا صوت، كأنه بيحاول يقول حاجة لكن الكلام وقف في حلقه.
—قل لي مين هي؟ صوتي خرج مبحوح، بالكاد سمعته أنا نفسي… قل لي يا كريم، مين الست دي؟ وولدك اللي معاها ده إيه؟ وكل السنين اللي فاتت كنت بتخدعني؟ كنت بتعيش معايا وانت عندك بيت تاني وولد تاني؟
حرك راسه ببطء، كأنه صار له سنين ما حركه، وقال بصوت ضعيف مكسور:
—مش زي ما بتتخيلي يا سلمى… صدقيني، مش زي ما بتتخيلي.
—وإيه اللي ممكن يكون غير كده؟ صرخت عليه، ودموعي أخيرًا نزلت ساخنة على خدي… ابنك الصغير قال إنك بتروح هناك كل جمعة، وإن عندك عقد جواز قديم قبل ما تتجوزني بسنتين، وإن أمك عارفة وبتساعدك وتخبي كل ده عني! وكنت عارف إن أمك بتعلم ابني يشهد زور ضدي وقلت لي إنها بتختبره؟ إيه تاني اللي مش عارفاه؟ إيه تاني اللي بتخبيه؟
وقفت أمامه، وكل الذكريات اللي فاتت بدأت تتراقص قدام عيني كأنه فيلم بيتعرض بسرعة جنونية: الساعات اللي كان بيتأخر فيها في الشغل ولا بيرد على تليفوناته، العذر اللي كان بيقوله دايماً: “الشغل كتير ومش فاضي”، المبالغ اللي كانت تختفي من فلوس البيت وبيقول إنها مصاريف طارئة، نظرات أمي له لما كنت أشوفها بتكلمه في ركن وتخفض صوتها لما أرب، وحتى نظرات الناس لما نخرج مع بعض كأنهم عارفين حاجة أنا مش عارفاها. كل ده كان إشارة، وكل ده كان واضح، لكن قلبي اللي كان بيحبه كان بيصدق كل كلمة يقولها، وبيقول لي: “هو جوزك ومش ممكن يخدعك”.
كرم بص لي، وشفت الدموع بتلمع في عيونه، أول مرة أشوفه بيعيط فيها طول سنين جوازنا الخمسة. قام ببطء وقرب مني، لكني رجعت لورا بخطوة، مش قادرة أسمح له يقرب مني ولا يلمسني، كأنه صار شخص غريب، شخص أخر غير الراجل اللي عشت معاه كل هذا الوقت.
—متقربش مني… قلت له ببرود… قول الحقيقة بس… خلصني.
تنهد بعمق، وجلس تاني على الكرسي، ومد يده ياخد الظرف اللي لسه مفتوح على الطاولة، وطلع منه ورق تاني غير عقد الجواز والصورة.
—الست دي اسمها نادية… قال بصوت هادئ ومتعب… بنت عمي، كانت ساكنة معانا في نفس البيت قدام. كنت صغير، وعمتي وأمي كانوا متفقين من زمان إننا نتجوز. حصل جوازنا عرفي من غير ما حد يعرف، غير العيلتين، كنت عندي 21 سنة وهي 18.
سكت شوية، ويده كانت بتلعب بزاوية الورقة بقلق:
—بعد سنة من الجواز، حصل خلاف كبير بيني وبينها، وقلت لها إننا لازم ننفصل، وقلت لأمي وعمتي كده. هم رفضوا، وقالوا ده عيب وسمعة، وإننا لازم نكمل. لكني كنت مصمم، وسافرت شوية بره القاهرة، واعتقدت إن الموضوع انتهى. بعد سنتين قابلتك يا سلمى وحبيتك بجد، وحسيت إنك النص التاني اللي كنت ببحث عنه. تجوزنا، وعشت معاكِ أسعد أيام حياتي، ونسيت كل حاجة حصلت قبل كده.
—ونسيت إنك لسه متجوزها؟ قاطعته بحدة… نسيت إن العقد لسه موجود؟ ولا كنت فاكر إنها ماتت؟
هز راسه بأسى:
—كنت فاكرها وافقت على الانفصال، وإن أمي وعمتي عملوا اللازم. لكن بعد ما تجوزنا بسنة، جاتني أمي وقالت لي إن نادية لسه بتعتبر نفسها مراتي، وإنها عايزة تيجي وتقولك كل حاجة، وتدمر بيتنا. وقالت لي…

3
حماتى كانت تاخد ابنى عندها كل جمعه عشان تحفظه قران
—الحل الوحيد إننا نَتَعامل معاها بهدوء لحد ما تنسى أو تتجوز حد تاني، وإنها هي اللي هتكلمها وتقنعها. وافقت خوفًا عليكِ، خوفًا إنك تتأذي، وخوفًا إن بيتنا يتدمر. وكل ما كنت أروح لها، كان بصرخة من أمي، تقول لازم تروح تطمنها، تقول لازم تعطيها فلوس عشان متتكلمش، تقول لازم تاخد الولد لما يشوفك عشان يحس إنه لسه عنده أب.
—والولد ده؟ سألته وقلبي بيتقطع… الولد ده ابنك حقًا؟
—أيوه… قال بصوت مسموع… اسمه يوسف، عنده أربع سنين. عرفت بوجوده بعد ما تجوزنا بسنتين. أمي جاتني وقالت لي نادية خلفت ولد مني، ومش عايزة حد يعرف، وإنها عايزة تربيه لوحدها بس لازم أكون موجود عشانهم ماديًا ومعنويًا. وافقت يا سلمى… وافقت غصب عني، خوفًا من الفضيحة، وخوفًا إنك تتركني لو عرفتي. وكل ما كنت أحاول أتكلم معاكِ في أي حاجة، كانت أمي تقف في طريقي، تقول “الراجل اللي يعترف بغلطته بيتخسر كل حاجة”، وتقول “أنا بحميك وبحمي بيتك”.
—وحمتك كده؟ قلت بضحكة مريرة… حماتك كانت تحفر لي من جوا! كانت بتعلم ابني الصغير يكذب ويشهد زور عشان تخليني أخرج من حياتك، وكانت بتخبي عني إنك عندك بيت تاني وولد تاني، وكانت بتلعب بينا كلنا زي ما هي عايزة! وكنت عارف بكل ده؟ وكنت تسكت؟
—كنت ضايع يا سلمى! صرخ هو كمان، ودموعه نزلت… كنت بين نارين! بينك وبين ابني اللي ما ذنبوش حاجة، وبين أمي اللي ربتني ومش عارف أتعارض معاها! كنت خايف أخسرك، وخايف أكون ظالم لولد تاني! وكل ما كنت أحاول أخرج من الحفرة اللي وقعت فيها، ألاقي نفسي أعمق أكتر!
سكتنا تاني، ولا حد فينا عارف يكمل الكلام.
ابني كان لسه واقف جنبي، ومسك يدي الصغيرة بكل قوة، كأنه بيحس بخوفي وبيحاول يطمني. بصيت له، لقيت عيونه بتتراقص من الخوف، وقلبي اتقطع أكتر لما شفت إنه هو اللي دفع التمن لغلطات الكبار، هو اللي كان لازم يخبي الأسرار ويكتم الكلام خوفًا من العقاب، وهو اللي كان بيضيع بين حب أبوه وحب أمه.
—وابني ده؟ قلت وأنا بشاور على الطفل اللي لسه ماسك يدي… كنت عايزه يكبر وهو عايش في الكذب؟ كنت عايزه يكبر ويعرف إن أبوه خدع أمه، وإن جدته علمته الكذب والزور؟ كنت عايزه يكبر ويعرف إن له أخ تاني وعمره ما حد قال له؟
كرم نزل لمستوى ابنه، وحاول يلمسه لكن الطفل رجع لورا واتخبى ورايا. كرم وقف وحيد، وبدا أصغر من عمره بكتير، كأنه شخص خسر كل حاجة.
—أنا آسف يا سلمى… قال بصوت خافت… آسف إن خدعتك، آسف إن سكتت عن الحق، آسف إن خليتك تتأذي بسببي. مش عارف إيه اللي أقدر أعمله عشان تسامحيني.
—أنا مش عارفة أسامحك ولا لأ… قلت بصراحة… اللي عملته مش سهل يا كريم. الثقة اللي بينا ماتت، ومش عارفة إن كانت هترجع تاني ولا لأ. لكن اللي أنا عارفاه إننا لازم نوقف كل ده. لازم نواجه الحقيقة، ونعرف نعيش صح من غير كذب ولا خداع.
وفجأة سمعنا صوت الباب بيفتح، ودخلت حماتي، ووشها عادي كأنها ما عملتش حاجة، وقالت بصوتها العالي المعتاد:
—إيه ده؟ صوتكم عالي ليه؟ حصل حاجة؟
بصيت لها، وكل غضبي وكل ألمي طلع في نظراتي. كرم بص لها كمان، ووجهه اتغير من الحزن لغضب قوي.
—عرفنا كل حاجة يا أما… قال بصوت صارم… كل حاجة.
حماتي تجمدت مكانها، وشفت الخوف بيدخل عيونها لأول مرة، لكنها حاولت تتمسك وقالت:

4
حماتى كانت تاخد ابنى عندها كل جمعه عشان تحفظه قران
—إيه اللي عرفتوه؟ مش عارفة بتتكلم عن إيه.
—عرفت إنك كنت بتعلم حفيدي يكذب ويشهد زور على أمه عشان تخرجيها من حياتي… كرم وقف واتجه لها… وعرفت إنك خبيتي عليا إن عقد جوازي القديم لسه قائم، وإنك كنت بتدير الأمور بيني وبين نادية من ورايا، وإنك كنتي عارفة بكل حاجة ومش قلتي لي كلمة! وكنت بتقولي لي إنك بتحميني؟ بتحميني من إيه؟ من الحقيقة؟ من العيش بصدق؟
حماتي فقدت تماسكها، وجلست على أول كرسي قابلها، وقالت بصوت مهتز:
—كنت بعمل ده لمصلحتك يا ولدي… لمصلحتك. نادية بنت عمك، والجواز ده كان اتفاق بين العيلتين من زمان، ومش عايزة كلام الناس يقول إنك خنت العهد. وسلمى دي ما كانتش من مستواك، وكنت عارفة إنها هتتعبك. وكنت خايفة لو عرفت الحقيقة، هتسيبك وتاخد الولد، وتدمر كل حاجة بنيناها.
—وكنت بتدمريني أنا؟ سألها كرم بغضب… كنت بتدمر بيتي وسمعتي وقلبي عشان كلام الناس؟ عشان عادات قديمة مالهاش لازمة؟ ونسيتي إن ربنا بيحب العدل وبيكره الكذب؟ نسيتي إن الولد ده ما ذنبوش حاجة؟ وإن نادية كمان إنسانة لها حق؟ وإن سلمى ما عملت لك حاجة غير إنها حبتني وآمنت بي؟
—أنا أمك يا كريم! صرخت هي… أنا اللي ربتك وتعبت عليك! وكل اللي عملته كان عشانك!
—وكل اللي عملتيه أضر بي أكتر من ما نفعني… رد عليها برود… ضيعت ثقتي في الناس، ضيعت السكينة اللي كنت عايشها، وخلتني أكون ظالم لمراتي ولولدي ولإنسانة تانية ما ذنبها حاجة. من النهاردة يا أما، مفيش حاجة بتمشي بطرقك. كل حاجة هتمشي بصراحة وعدل.
سكتت حماتي، وما عادتش تقدر تتكلم، عارفة إنها خسرت السيطرة اللي كانت ماسكة بيها كلنا سنين طويلة.
بعد كده، قررنا نروح كلنا نكلم نادية، وكرم قال لي إنه عايزني أكون موجودة، عشان ما يكون فيه خداع تاني، وعشان نحل كل مشكلة بصراحة. وصلنا لشقة صغيرة في منطقة شعبية، وفتحت لنا البنت، كانت بسيطة المظهر، وعيونها مليانة تعب وحزن. لما شافت كرم، عيونها لمعت بدموع، وبعدين شافتني وترددت.
—تفضلوا… قالت بصوت هادئ.
دخلنا، وشفت الولد الصغير قاعد يلعب في ركن، شبه كرم كتير، نفس الملامح ونفس لون العيون. قعدنا، وكرم بدأ يتكلم بصراحة من الأول، من الجواز القديم، والاتفاق، والانفصال اللي اعتقد إنه حصل، وكل اللي خبيته أمي وكل اللي مر بنا الفترة الأخيرة.
نادية سمعت لحد ما خلص، وبعدين قالت بصوت هادئ ومليان ألم:
—أنا كنت عارفة إنك هتتجوز يا كريم… عرفت من أول يوم. وعرفت إنك حبيتها بجد. وأنا ما كنتش عايزة أكون سبب في تعبك ولا في تعبها. بس أمك كانت تجيلي وتقول لي “إنتي مراته الشرعية، ومحدش يقدر ياخده منك”، وتعطيني فلوس وتقول لي “ده حقك”، وتقول لي لو تكلمتي حد هتفضحي نفسك وولدك. وكنت خايفة، ومش عارفة أعمل إيه. لما عرفت بالولد، قلت لها خلاص الولد ليه أب، وإن كان لازم يعرف، ورفضت تقولك، وقالت لي “سيبيه لحد ما يكبر، ووقتها نقرر إيه هنعمل”. وكنت عايشة في خوف وقلق كل يوم، خايفة الحقيقة تطلع وتدمر كل حاجة.
بصت لي وقالت:
—أنا آسفة يا سلمى… ما كنتش عارفة إني بضرك، كنت مجرد خايفة على نفسي وعلى ولدي.
مسكت يديها، وحسيت بألمها، زي ما أنا كنت متألمة، هي كمان كانت ضحية لغلطات الكبار وللأفكار القديمة.
—أنا مش عايزة أضرك ولا أضر ولدك… قلت لها… كلنا ضحايا، لكن من النهاردة لازم نعيش بصدق. الحق لازم يظهر، والكل لازم…

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى