قصص و روايات

خطبت ابني لبنت أخويا

لأول مرة من بداية الليلة، ظهر عليه الندم الحقيقي.

أنا كنت واقف بعيد، ووشي مولع من الإحراج.

كنت عايز أختفي من المكان.

قربت من سالم وقلت:

ـ يا أخويا…

رفع إيده قدامي.

ـ متقولش حاجة يا محمود.

صوته كان هادي، لكن الهدوء ده كان أصعب عليا من الزعيق.

ـ سالم أنا والله ما كنت أعرف إنه هيعمل كده.

ـ عارف.

ـ والله ما كنت أعرف إنه مرتبط بحد.

ـ عارف.

ـ أنا غلطت لما ضغطت عليه.

بص لي لأول مرة.

ـ وإنت غلطت لما خليت الوعد أهم من رأي الأولاد.

الكلمة وجعتني.

لأني عرفت إنه عنده حق.

أنا كنت طول السنين شايف الموضوع من ناحية واحدة.

كنت شايف إننا أخوين وعدنا بعض.

لكن محدش فينا سأل الولدين نفسهم هما عايزين إيه.

علياء كانت عايزة كارم لأنها اتربت على الفكرة.

وكارم كان ساكت لأنه اتربى على نفس الفكرة.

بس السكوت عمره ما كان موافقة.

وفجأة علياء قالت:

ـ بابا، عايزة أقول لك حاجة.

سالم قرب منها.

ـ قولي يا حبيبتي.

ـ أنا مش هتجوز كارم.

كارم رفع عينيه بسرعة.

ـ علياء…

ـ استنى.

بصت له.

ـ مش هتجوزه عشان هو اختار نورهان، ومش هتجوزه عشان أبويا وعد عمي، ومش هتجوزه عشان الناس كانت مستنية النهارده.

وبعدين بصت لأبوها.

ـ أنا مش هتجوز حد لمجرد إن حد وعد بيه من وأنا صغيرة.

سالم دمعت عينه.

ـ يعني إيه؟

ـ يعني لو في يوم هتجوز، هتجوز واحد أكون أنا اللي اخترته، وهو اللي يختارني.

ساد الصمت مرة تانية.

لكن المرة دي كان الصمت مختلف.

كان فيه وجع، بس كان فيه راحة كمان.

نورهان بصت لكارم.

ـ أنا لازم أمشي.

كارم اتوتر.

ـ نورهان استني.

ـ لأ.

ـ إنتِ زعلانة؟

ـ مش زعلانة منك، بس أنا مش مرتاحة أقعد هنا أكتر من كده.

علياء قالت لها:

ـ استني.

نورهان بصتلها.

علياء قربت منها وقالت:

ـ متشيليش ذنب حاجة.

ـ بس أنا السبب…

ـ لأ.

هزت علياء رأسها.

ـ السبب إن اتنين كبار فضلوا ساكتين عن حاجة مهمة لحد ما وصلت للنهارده.

نورهان دمعت عينيها.

ـ أنا آسفة.

ـ متعتذريش.

علياء مدت إيدها لها.

ـ ربنا يكتب لك الخير.

نورهان بصت لإيدها ثواني، وبعدها سلمت عليها.

كارم كان واقف مذهول.

مش عارف هو خسر إيه بالضبط.

كان فاكر إنه داخل يعلن اختياره وينهي كل حاجة.

لكن في دقائق قليلة اكتشف إن اللي قدامه مش مجرد بنت كانت مستنياه.

دي بنت كان ممكن يكون ليها مستقبل كامل معاه، وكان هو بنفسه اللي هدم الصورة دي بإيده.

سالم قال:

ـ الناس كلها تفضل مكانها.

واحد من أعمامي حاول يخفف الجو:

ـ يا جماعة كل حاجة نصيب.

سالم رد بهدوء:

ـ أيوه، نصيب.

وبعدين بص للناس:

ـ وإحنا أهل، ومش هنحول اللي حصل لخناقة.

واحد تاني قال:

ـ بس الخطوبة…

سالم قاطعه:

ـ مفيش خطوبة.

الكلمة كانت حاسمة.

أنا قربت من كارم.

ـ انزل معايا.

كارم بص لي.

ـ بابا…

ـ انزل.

ـ بس نورهان…

ـ نورهان هتمشي مع أهلها، وإنت هتيجي معايا.

بص لنورهان، وبعدها مشي ورايا.

قبل ما نخرج من الشقة، سمعت علياء بتنادي:

ـ يا عمي محمود.

وقفت.

لفيت لها.

كانت واقفة جنب أبوها.

قالت:

ـ متزعلش من نفسك.

أنا حسيت بغصة في حلقي.

ـ أنا السبب في اللي حصل يا بنتي.

ـ لأ.

ـ أنا اللي وعدت أبوكي.

ـ الوعد كان بينكم، مش بيني وبين كارم.

الكلمة دي فضلت ترن في دماغي وأنا نازل السلم.

وصلنا العربية.

كارم ركب جنبي وسكت.

أنا شغلت العربية، لكن ما تحركتش.

بصيت له.

ـ إنت مبسوط؟

سكت.

ـ جاوبني.

ـ مش عارف.

ـ بتحب نورهان؟

ـ آه.

ـ وهي بتحبك؟

ـ آه.

ـ طب ليه حاسس إنك مش مبسوط؟

كارم فضل ساكت.

وبعد شوية قال:

ـ عشان علياء.

أنا بصيت له.

ـ علياء إيه؟

ـ مكنتش متخيل إنها هتقول كده.

ـ كنت متوقع تعمل إيه؟

ـ تعيط… تزعق… تكرهني.

ـ وهي لما سامحتك كان ده يضايقك؟

ـ مش سامحتني.

ـ أمال؟

كارم بص من الشباك.

ـ هي خلصت الموضوع.

الجملة دي خلتني أسكت.

لأن ابني لأول مرة فهم إن فيه فرق بين إن حد يزعل منك وإن حد يقرر يكمل حياته من غيرك.

وصلنا البيت.

أول ما دخل، أمه جريت عليه.

ـ حصل إيه؟

كارم ما ردش.

بصت لي.

ـ محمود؟

قلت:

ـ مفيش خطوبة.

اتصدمت.

ـ يعني إيه؟

ـ زي ما سمعتي.

كارم دخل أوضته وقفل الباب.

أمه وقفت قدامي.

ـ إنت عملت إيه؟

ـ أنا؟

ـ أيوه.

ـ أنا اللي ربيته على إنه يتجوز علياء.

ـ وإنت كنت فاكر إنه لسه طفل؟

الكلمة وجعتني.

ـ يمكن.

قعدت على الكرسي.

ـ يمكن أنا نسيت إنه كبر.

في نفس الوقت، داخل أوضته، كارم فتح موبايله.

لقى رسالة من نورهان.

“أنا رجعت البيت. لما تهدى ابقى كلمني.”

فضل يبص للرسالة فترة.

وبعدين فتح محادثة قديمة مع علياء.

كانت آخر رسالة منها من شهرين:

“بابا قال إننا هنحدد معاد قريب. مبروك يا كارم.”

هو وقتها شاف الرسالة وما ردش.

دلوقتي فضل يبص لها.

كتب:

“أنا آسف.”

مسحها.

كتب:

“حقك عليا.”

مسحها.

كتب:

“مكنتش أقصد أوجعك.”

مسحها.

وفي الآخر قفل الموبايل.

لأنه اكتشف إن مفيش جملة تقدر تصلح حاجة هو سابها تكبر سنين.

أما عند سالم، فبعد ما الناس مشيت، البيت كان هادي بشكل غريب.

الدهب اتحط في العلبة.

التورتة اتشالت.

الزينة فضلت معلقة.

والكراسي الفاضية كانت أكتر حاجة بتوجع.

علياء كانت بتلم الأطباق.

سالم دخل المطبخ وقال:

ـ سيبي ده كله.

ـ عادي يا بابا.

ـ علياء.

ـ نعم؟

ـ إنتِ كويسة؟

ابتسمت.

ـ لأ.

سالم دمعت عينه.

ـ طب ما تقوليش كويسة.

ـ عشان لو قلت إني كويسة هكدب عليك.

قرب منها.

ـ أنا آسف.

ـ على إيه؟

ـ إني خليتك تستني كل السنين دي.

سكتت.

ـ أنا كنت فاكر إني بأمّن مستقبلك.

ـ عارفة.

ـ ومفكرتش أسألك.

ـ عارفة.

ـ سامحيني.

علياء حطت الطبق على الترابيزة.

ـ مسامحاك يا بابا.

ـ بجد؟

ـ آه.

ـ طب ليه حاسس إنك بعيدة؟

علياء بصت له.

ـ عشان في حاجات لما بتتكسر، حتى لو سامحت اللي كسرها، بتحتاج وقت عشان ترجع زي الأول.

سالم حضنها.

ولأول مرة من بداية الليلة، علياء عيطت بصوت عالي.

مش عشان كارم.

ولا عشان الخطوبة.

كانت بتعيط على سنين كاملة عاشت وهي فاكرة إن مستقبلها مكتوب لها، وفجأة اكتشفت إن حياتها لازم تبدأ من جديد.

وفي اليوم التالي، حصلت حاجة محدش كان متوقعها.

علياء راحت شغلها عادي.

دخلت مكتبها، حطت شنطتها، وبدأت تشتغل.

زميلتها سألتها:

ـ إنتِ مش كنتِ هتتخطبي امبارح؟

علياء ابتسمت.

ـ كان المفروض.

ـ حصل إيه؟

ـ النصيب قال لأ.

ـ إنتِ كويسة؟

ـ هبقى كويسة.

وفي نفس اليوم، كارم راح شغله.

نورهان كانت في المكتب، لكنه أول ما شافها وقف مكانه.

هي قالت:

ـ محتاجين نتكلم.

قعدوا في مكان هادي.

نورهان قالت:

ـ أنا بحبك، بس مش عايزة أتجوزك وإنت لسه شايل إحساس بالذنب ناحية علياء.

كارم اتوتر.

ـ أنا مش بحبها.

ـ أنا مصدقاك.

ـ طب المشكلة إيه؟

ـ المشكلة إنك عملت حاجة كبيرة امبارح.

ـ عارف.

ـ وأنا مش عايزة أبدأ حياتي معاك وإحنا بنهرب من اللي حصل.

كارم سكت.

نورهان كملت:

ـ لو إحنا هنتجوز، لازم الأول ترتب اللي وراك.

ـ أرتب إيه؟

ـ علاقتك بأبوك، وبعيلتك، وبنفسك.

بص لها باستغراب.

ـ وبعدين؟

ـ وبعدين نشوف.

خرج كارم من عندها وهو لأول مرة مش عنده حل سريع.

في المساء، رجع البيت.

لقى أبوه قاعد لوحده.

قال:

ـ بابا.

ـ اقعد.

قعد.

فضلوا ساكتين فترة.

وبعدين كارم قال:

ـ أنا آسف.

أنا بصيت له.

ـ على إيه؟

ـ على الطريقة اللي عملت بيها كل حاجة.

ـ أنا مش هطلب منك تحب علياء.

ـ عارف.

ـ ولا هطلب منك تتجوزها.

ـ عارف.

ـ لكن هطلب منك حاجة واحدة.

ـ إيه؟

ـ لما تكبر وتبقى راجل، اتحمل نتيجة قراراتك.

هز رأسه.

ـ حاضر.

ـ لو بتحب نورهان، روح لها من الباب.

ـ هعمل كده.

ـ ولو مش مستعد، متظلمهاش.

ـ حاضر.

سكت شوية، وبعدين قال:

ـ وعلياء؟

أنا بصيت له.

ـ علياء خلاص.

ـ يعني؟

ـ يعني سيبها تعيش.

كارم نزل عينه.

ـ هي قالت لي مبروك.

ـ عشان هي بنت محترمة.

ـ أنا حسيت إني صغير قدامها.

ـ لأنك لأول مرة شفت نتيجة تصرفك من غير ما حد يزعق لك.

كارم سكت.

وبعدها قال:

ـ بابا، ممكن نروح لها؟

ـ ليه؟

ـ عشان أعتذر لها.

فكرت شوية.

ـ اعتذر لو عشان ترتاح أنت، بلاش.

ـ لأ، عشان هي تستحق تسمع اعتذاري.

بصيت له.

ـ بكرة.

وفي اليوم التالي، رحنا بيت سالم.

كارم دخل معايا.

سالم استقبلنا بهدوء.

علياء كانت قاعدة.

كارم وقف قدامها.

ـ أنا جاي أعتذر.

علياء قالت:

ـ اعتذارك مقبول.

ـ حتى قبل ما أقول؟

ـ عشان عارفة إنك ندمان.

ـ أنا فعلاً ندمان.

ـ على إيه؟

كارم اتوتر.

ـ على كل مرة سكت فيها.

علياء هزت رأسها.

ـ دي أكتر حاجة وجعتني.

ـ عارف.

ـ بس خلاص.

ـ عايز أسألك سؤال.

ـ اسأل.

ـ إنتِ فعلاً مش زعلانة مني؟

علياء ابتسمت.

ـ زعلانة.

كارم اتفاجئ.

ـ بس…

ـ بس إيه؟

ـ الزعل مش معناه إني عايزة أرجع لك.

الكلمة نزلت عليه بهدوء، لكنها كانت نهائية.

هز رأسه.

ـ فهمت.

علياء قالت:

ـ وأنا أتمنى لك الخير.

ـ وإنتِ كمان.

خرج كارم من البيت وهو ساكت.

وأنا وأنا ماشي جنبه، حسيت إن ابني اتغير في يومين.

مش لأنه خسر خطوبة.

لكن لأنه لأول مرة فهم إن الاختيار مش مجرد كلمة يقولها الإنسان وقت ما يحب.

الاختيار مسؤولية.

وإن السكوت أحيانًا بيكون قرار، حتى لو صاحبه أقنع نفسه إنه ما عملش حاجة.

بعد شهرين، علياء بدأت ترفض أي حد يتقدم لها.

لكن المرة دي مش بسبب وعد.

كانت بتقول لأبوها:

ـ لما ييجي الشخص المناسب، أنا هقول لك بنفسي.

وسالم كان يبتسم.

ـ خلاص يا بنتي، المرة دي القرار قرارك.

أما كارم ونورهان، ففضلوا فترة طويلة بيتكلموا عن الجواز، لكنهم ما استعجلوش.

لأن كارم عرف إن بناء بيت محتاج صراحة من البداية.

وأنا؟

أنا كل ما افتكر اللي حصل يوم الخطوبة، أفتكر نظرة علياء وهي بتقول:

“الوعد كان بينكم، مش بيني وبين كارم.”

وأفتكر قد إيه الواحد ممكن يكون فاكر إنه بيعمل الصح، وهو في الحقيقة بيقرر حياة ناس تانية بدلهم.

بعد سنة تقريبًا، كنت قاعد مع سالم في نفس المكان اللي بدأنا فيه حكاية أولادنا من سنين.

بص لي وقال:

ـ فاكر وعدنا القديم؟

ضحكت.

ـ فاكره.

ـ لو رجع بيك الزمن، كنت هتعمله؟

سكت شوية.

وبعدين قلت:

ـ كنت هقول لك نخليهم يحبوا بعض الأول.

ضحك سالم.

ـ وأنا كنت هقول لك نسألهم أصلًا عايزين إيه.

ضحكنا إحنا الاتنين.

وبعدين سالم بص للشارع وقال:

ـ المهم إننا اتعلمنا.

قلت:

ـ واتأخرنا شوية.

ـ بس اتعلمنا.

في اللحظة دي، عربية وقفت قدام البيت.

نزلت منها علياء.

كانت لابسة هدوم بسيطة، ووشها هادي.

وراها شاب في سنها تقريبًا.

دخلت وهي بتضحك.

بصت لنا وقالت:

ـ بابا، عمي محمود… عايزة أعرفكم على حد.

أنا وسالم بصينا لبعض.

سالم ابتسم وقال:

ـ المرة دي، إنتِ اللي اخترتي؟

علياء ابتسمت.

ـ أيوه.

الشاب سلم علينا بأدب.

ـ أنا حسام.

سالم مد إيده له.

ـ أهلاً يا ابني.

وأنا سلمت عليه.

ـ نورت.

علياء بصت لنا وهي بتضحك.

ـ بس قبل أي حاجة…

سالم قال:

ـ عارفين.

ـ إيه؟

ـ مفيش وعود.

ضحكت علياء.

ـ بالظبط.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى