قصص و روايات

خطبت ابني لبنت أخويا

ياسين قال:

ـ المرة دي مش هسمع كلامك.

أنا مسكت الظرف.

ـ مكتوب فيه إيه؟

ـ مش عارف.

ـ إنت ما قريتهوش؟

ـ لأ.

ـ ليه؟

ـ لأنها قالت لي ما أفتحهش.

بصيت لأبويا.

ـ هي أمه؟

ياسين هز رأسه.

ـ أمي كانت تعرف أختك.

أنا تجمدت.

ـ تعرف أختي؟

ـ أيوه.

ـ كانت تعرفها إزاي؟

ياسين قال:

ـ لأن أمي كانت موجودة يوم حصلت الحكاية.

بابا قام فجأة.

ـ كفاية.

أنا بصيت له.

ـ لأ.

ياسين قال:

ـ خليها تعرف.

بابا وقف.

أنا فتحت الظرف.

طلعت ورقة واحدة.

بدأت أقرأ.

أول سطر خلاني أوقف.

كان مكتوب:

“يا علياء، لو وصل لك الجواب ده، يبقى أبوكي أخيرًا اضطر يقول لك إن أختك ما ماتتش بالطريقة اللي قالها لك…”

إيدي بدأت تترعش.

رفعت عيني لأبويا.

ـ يعني إيه؟

بابا ما ردش.

بصيت لياسين.

هو نفسه كان باصص للورقة بذهول.

قلت:

ـ إنت كنت تعرف؟

هز رأسه بسرعة.

ـ لأ.

رجعت أقرأ.

لكن قبل ما أكمل، بابا مد إيده وخطف الورقة مني.

صرخت:

ـ بابا!

قال بصوت متوتر:

ـ مش دلوقتي.

ـ لأ، دلوقتي!

ـ علياء، اسمعيني.

ـ أختي عايشة؟

سكت.

ـ بابا!

عينيه امتلأت بالدموع.

وقال بصوت منخفض:

ـ أنا مش عارف.

ـ مش عارف؟

ـ آخر مرة شفتها…

وسكت.

ـ كانت عايشة.

المكان كله سكت.

أنا حسيت إن نفسي اتقطع.

ـ آخر مرة شفتها إمتى؟

بابا بص للأرض.

ـ من أكتر من عشرين سنة.

ـ وكانت فين؟

ما ردش.

ـ كانت فين يا بابا؟

رفع عينه لي.

وقال جملة واحدة قلبت كل حاجة:

ـ في نفس البيت اللي عاشت فيه واحدة من العيلتين سنين… والبيت ده أنا عمري ما قلت لك إنه كان موجود أصلًا.ـ البيت ده موجود فين يا بابا؟

السؤال خرج مني وأنا مش قادرة أستوعب أي حاجة.

بابا فضل ساكت.

ياسين كان باصص له هو كمان، وعمي محمود واقف جنبي مش عارف يتدخل ولا يسأل.

رجعت قلت:

ـ أنا بسألك البيت ده فين؟

بابا أخد نفس طويل وقال:

ـ في بلدنا القديمة.

ـ البيت اللي كنا عايشين فيه زمان؟

ـ لأ.

ـ أمال إيه؟

ـ بيت جدتك.

سكت.

ـ بيت جدتي؟

ـ أيوه.

ـ بس إحنا بعنا البيت ده من سنين.

ـ بعناه.

ـ يعني أختي كانت هناك؟

ـ لفترة.

ـ وبعدها؟

بابا حط إيده على وشه.

ـ بعدها حصلت مشاكل كتير.

ـ مشاكل إيه؟

ـ أمك كانت تعبانة، وأنا كنت مسافر شغل، وجدتك كانت بتقول إن البيت مش مناسب للأطفال، وأختك كانت صغيرة جدًا.

ـ وبعدين؟

ـ حصل خلاف بيني وبين جدك.

ـ على إيه؟

ـ على إن أختك تفضل معاه فترة.

ـ وليه؟

ـ لأن ظروفنا وقتها كانت صعبة.

ـ وأنا؟

ـ كنتِ لسه مولودة.

ـ وأختي؟

ـ كانت أكبر منك بسنة.

بدأت الصورة تتجمع ببطء.

مش وفاة.

مش اختفاء.

مش قصة غريبة.

مجرد عيلة اتخانقت، وطفلة اتنقلت من بيت لبيت، وبعدها السنين جريت وكل واحد بدأ يحكي الحكاية بطريقة مختلفة.

لكن كان لسه فيه سؤال واحد.

ـ لو أختي كانت عايشة، راحت فين؟

بابا بص لي.

ـ اتربت بعيد عننا.

ـ مع مين؟

ـ مع ناس من قرايبنا.

ـ مين؟

ـ خالتك.

أنا اتصدمت.

ـ خالتي؟

ـ أيوه.

ـ بس خالتي عايشة في إسكندرية!

ـ عشان كده.

ـ يعني إيه؟

ـ لأن بعد ما انتقلنا من البلد، هي أخدتها معاها.

ـ وإنت وافقت؟

ـ كنت فاكر إنها هترجع.

ـ وإنت سبت بنتك عند أختك؟

ـ كان المفروض كام شهر.

ـ وبقوا سنين؟

بابا هز رأسه.

ـ أيوه.

عمي محمود قال:

ـ طب ليه قلت لها إنها ماتت؟

بابا سكت.

وبعدين قال:

ـ أنا ما قلتش لها.

بصيت له.

ـ مين قال لي؟

ـ جدتك.

ـ يعني جدتي كانت عارفة؟

ـ أيوه.

ـ وماما؟

ـ كانت عارفة.

ـ وكل الناس كانت عارفة وأنا لأ؟

بابا دمعت عينه.

ـ لأنهم كانوا فاكرين إنك لما تكبري هتعرفي.

ـ وأنا كبرت من إمتى؟

ما ردش.

ـ أنا اتخرجت، واشتغلت، وكبرت، واتقدمت لي عرسان، واترفضوا، واتعملت لي خطوبة، وكل ده وأنا ما أعرفش إن عندي أخت!

ياسين قال بهدوء:

ـ أنا كنت فاكر إنها ماتت.

بصيت له.

ـ إنت؟

ـ أيوه.

ـ أمك قالت لك إيه؟

ـ قالت لي إن أختك ماتت وهي صغيرة.

ـ طب ليه الرسالة بتقول غير كده؟

ياسين بص لأبوه.

ـ عشان أمي كانت شاكة.

ـ في إيه؟

ـ إنها ما ماتتش.

بابا قال:

ـ هي كانت تعرف إنها عايشة.

ياسين اتصدم.

ـ إنت كنت عارف؟

ـ عرفت بعد سنين.

ـ وما قلتش؟

ـ كنت خايف.

أنا بصيت له.

ـ من إيه؟

ـ من إننا نفتح الماضي كله.

قلت:

ـ الماضي اتفتح.

بابا هز رأسه.

ـ عارف.

وبعدين طلع من جيبه ورقة صغيرة.

ـ دي عنوان.

مدها لي.

بصيت.

كان مكتوب اسم شارع في الإسكندرية.

وتحت الاسم اسم امرأة.

“مريم سالم.”

سكت.

ـ مين مريم؟

بابا قال:

ـ أختك.

أنا حسيت إن قلبي وقف لحظة.

ـ اسمها مريم؟

ـ أيوه.

ـ وهي عايشة؟

ـ آخر خبر وصلني إنها عايشة.

ـ وآخر خبر ده من إمتى؟

ـ من حوالي ست شهور.

بصيت له بذهول.

ـ يعني إنت عارف من ست شهور؟

ـ أيوه.

ـ وعملت إيه؟

ـ ما عملتش حاجة.

ـ ليه؟

ـ خوفت.

ـ من إيه؟

ـ من رد فعلها.

ـ هي اللي المفروض تخاف من رد فعلنا؟

بابا سكت.

عمي محمود قال:

ـ لازم تروحوا لها.

بصيت له.

ـ دلوقتي؟

ـ أيوه.

بابا قال:

ـ مش هقدر.

ـ ليه؟

ـ مش قادر أقابلها.

ـ وإنت كنت قادر تسيبها عشرين سنة؟

بابا بكى.

أول مرة أشوف أبويا بيعيط بالشكل ده.

قال:

ـ أنا غلطت.

قعدت جنبه.

ـ طب أصلح غلطك.

رفع عينه لي.

ـ تفتكري هتسامحني؟

ـ معرفش.

ـ وأنا خايف إنها ما تسامحنيش.

ـ يبقى على الأقل خليها تعرف الحقيقة.

سكت.

وبعدين قال:

ـ خدي العنوان.

أخدته.

في اليوم التالي، أنا وعمي محمود وياسين رحنا إسكندرية.

بابا رفض ييجي.

قال إنه هيستنانا.

طول الطريق، كنت ساكتة.

كنت بتخيل شكل أختي.

هل شبه ماما؟

هل شبه بابا؟

هل بتحب نفس الحاجات اللي بحبها؟

هل عارفة إن عندها أخت؟

ولما وصلنا للعنوان، وقفت قدام العمارة.

طلعت السلم.

كل خطوة كنت حاسة إنها بتقربني من حاجة عمري كله ما كنت أعرف إنها موجودة.

خبطنا.

فتحت لنا ست في أواخر الثلاثينات.

بصت لنا.

ـ مين؟

أنا اترددت.

وبعدين قلت:

ـ حضرتك مريم؟

وشها اتغير.

ـ أيوه.

أنا بصيت لها.

كان في حاجة في ملامحها مألوفة بشكل غريب.

نفس عيون أمي.

نفس ابتسامة بابا.

نفس طريقة رفع الحاجب لما تستغرب.

هي نفسها كانت بتبص لي وكأنها بتحاول تفتكرني.

قالت:

ـ إنتِ مين؟

دموعي نزلت.

ـ أنا علياء.

وشها اتجمد.

ـ علياء؟

هزيت رأسي.

ـ أيوه.

فتحت الباب أكتر.

ـ ادخلي.

دخلنا.

قعدت قدامها.

فضلنا نبص لبعض.

وبعدين قالت:

ـ كنت عارفة إنك هتيجي.

أنا اتفاجئت.

ـ إزاي؟

ـ لأن أبوكي اتصل بيا من كام شهر.

ـ كلمك؟

ـ أيوه.

ـ وقال لك إيه؟

ـ قال لي إنه عايز يصلح حاجات قديمة.

سكت.

ـ طب ليه ما جيتيش؟

ابتسمت بحزن.

ـ كنت مستنية هو ييجي.

ـ وإنتِ عارفة إني موجودة؟

ـ من زمان.

أنا اتصدمت.

ـ من زمان قد إيه؟

ـ من يوم ما كنتِ في المدرسة.

ـ يعني إنتِ كنتِ تعرفيني؟

ـ كنت بشوفك من بعيد.

ـ ليه؟

ـ لأن جدتنا كانت بتقول إن الوقت لسه مش مناسب.

أنا حسيت بوجع.

ـ كل الناس كانت عارفة وأنا لأ.

مريم مدت إيدها.

ـ أنا كمان كنت محرومة منك.

مسكت إيدها.

أول ما لمستها، حسيت بحاجة غريبة.

مش إحساس خيالي.

بس إحساس إن الشخص اللي قدامي قريب مني بشكل مش محتاج تفسير.

قعدنا ساعات بنتكلم.

عرفت إنها درست تمريض، واتجوزت فترة قصيرة وانفصلت من غير أولاد، وعاشت حياتها كلها تقريبًا وهي عارفة إن ليها أخت اسمها علياء.

قالت لي:

ـ كنت بسمع أخبارك من خالتي.

ـ وأنا ولا مرة سمعت اسمك.

ـ عشانهم كانوا خايفين.

ـ من إيه؟

ـ من إننا نرجع لبعض ونفتح مشاكل الأرض القديمة.

أنا ضحكت بمرارة.

ـ يعني حتى حياتنا كانت مربوطة بالأرض؟

قالت:

ـ الأرض كانت سبب الخلاف، بس مش سبب البعد.

ـ أمال إيه السبب؟

مريم سكتت.

ـ الخوف.

ـ خوف مين؟

ـ كل الكبار.

قالت إن جدي كان عايز يحتفظ بالأرض، وإن أبويا كان شايف إن الخلاف هيفرق العيلة، وإن بعد وفاة جدتي حصلت خلافات أكتر، وكل واحد بدأ يبعد.

لكن أهم حاجة قالتها كانت:

ـ كارم ملوش علاقة بكل ده.

ضحكت.

ـ عارفة.

ـ وحسام؟

ـ كان مجرد شخص اتقدم لي.

ـ وإنتِ كنتِ بتحبيه؟

ـ مش عارفة.

مريم ابتسمت.

ـ أهم حاجة إنك دلوقتي عندك فرصة تختاري.

الجملة دي فكرتني بكل اللي حصل.

رجعنا البيت بعد يومين.

وأول ما دخلت، لقيت بابا مستنيني.

بص لي.

وبعدين قال:

ـ لقيتيها؟

قلت:

ـ أيوه.

دموعه نزلت قبل ما أقول أي كلمة.

قربت منه.

ـ هي مش زعلانة منك زي ما إنت متخيل.

رفع عينه.

ـ قالت لك كده؟

ـ قالت إنها كانت مستنياك.

بابا غطى وشه.

ـ أنا خسرت سنين.

ـ أيوه.

ـ ينفع أرجعهم؟

ـ لأ.

ـ طب أعمل إيه؟

ـ ابدأ من النهارده.

بعد أسبوع، بابا راح إسكندرية.

قابل مريم.

وأنا كنت معاهم.

كان اللقاء صعب جدًا.

في البداية ما عرفش يقول كلمة.

مريم هي اللي قالت:

ـ إنت كبرت.

بابا ضحك وهو بيعيط.

ـ وإنتِ بقيتي شبه أمك.

حضنها.

وأنا وقفت بعيد.

مشهد بسيط جدًا.

مفيهوش صراخ.

ولا أسرار جديدة.

بس كان فيه شيء أهم.

ناس بتصلح حاجة اتكسرت من سنين.

بعدها، موضوع الأرض اتحل بطريقة هادية.

طلع إن الأوراق القديمة لا تمنح أي طرف حقًا بالشكل اللي كانوا فاكرينه، وإن جزءًا من الخلاف كان بسبب مستندات ناقصة وتفسيرات قديمة.

اتفقنا نبيع الجزء المختلف عليه، وكل واحد ياخد حقه، والباقي يتقسم بين أفراد العيلة.

ولأول مرة، الأرض اللي فرقتنا سنين، بقت سبب إننا نقفل الخلاف.

أما كارم، فكان أول واحد يزور مريم.

وقف قدامها وقال:

ـ أنا آسف عن كل اللي حصل في يوم الخطوبة.

مريم ابتسمت.

ـ إنت مالك؟

ـ كنت سبب في وجع علياء.

ـ علياء اختارت تسامحك.

ـ وأنا مش ناسي.

ـ يبقى اتعلم.

كارم هز رأسه.

وكان واضح إنه اتعلم فعلًا.

بعد فترة، اتجوز نورهان.

لكن قبل ما يتجوز، جه لي وقال:

ـ بابا، أنا عايز أقول لك حاجة.

ـ قول.

ـ أنا كنت فاكر إن الحرية معناها أعمل اللي أنا عايزه.

ـ ودلوقتي؟

ـ دلوقتي عرفت إن الحرية معناها أتحمل نتيجة اللي أعمله.

ابتسمت.

ـ كويس.

ـ وعلياء؟

ـ مالها؟

ـ هي بخير؟

ـ أيوه.

ـ اتكلمت مع حسام؟

ـ أيوه.

ـ وهتتجوزه؟

ضحكت.

ـ مش عارفين.

وكان فعلًا مفيش استعجال.

علياء وحسام أخدوا وقتهم.

اتكلموا، واتعرفوا على بعض من جديد، بعيد عن وعود الآباء، وبعيد عن ضغط العيلة.

وفي الآخر، بعد شهور، علياء قالت لنا:

ـ أنا موافقة.

سالم سألها:

ـ متأكدة؟

ضحكت.

ـ لأول مرة في حياتي، أيوه.

اتجوزت حسام في فرح بسيط.

مريم كانت موجودة.

بابا كان واقف جنبها.

وأنا وسالم كنا واقفين جنب بعض.

ولما علياء دخلت، سالم بص لي.

قال:

ـ فاكر أول مرة وعدنا بعض؟

ضحكت.

ـ فاكر.

ـ كنت فاكر إننا بنضمن مستقبلهم.

ـ وإحنا كنا بنأجل حياتهم.

هز رأسه.

ـ الحمد لله إننا فهمنا قبل فوات الأوان.

بعد الفرح بأيام، كنت قاعدة مع علياء.

قلت لها:

ـ عارفة أكتر حاجة وجعتني في الحكاية كلها؟

قالت:

ـ إيه؟

ـ إنك كنتِ مستعدة تتجوزي كارم لأنك اتعودتي على الفكرة، مش لأنك اخترتيه.

ابتسمت.

ـ وأكتر حاجة أنقذتني؟

ـ إيه؟

ـ إن كارم قال الحقيقة في الآخر.

ضحكت.

ـ حتى لو طريقته كانت كارثية.

ضحكت هي كمان.

ـ جدًا.

سكتنا شوية.

وبعدين قالت:

ـ بس لو ما دخلش نورهان يوم الخطوبة…

ـ كان إيه اللي هيحصل؟

ـ كنت هفسخ الخطوبة بنفسي.

ـ يعني إنتِ كنتِ مجهزة؟

ـ أيوه.

ـ طب ليه ما قلتيش؟

ـ كنت خايفة أكون بظلمه من غير سبب.

ـ ولما دخل بنورهان؟

ـ عرفت إن السبب موجود.

بصيت لها.

ـ وإنتِ كنتِ عارفة عن حسام؟

ـ أيوه.

ـ وكنتِ هتختاريه؟

ـ كنت هدي نفسي فرصة أعرفه الأول.

ـ وعملتي كده؟

ـ أيوه.

ـ وطلع كويس؟

ابتسمت.

ـ طلع إنسان.

ضحكت.

ـ يعني إيه؟

ـ يعني مش فارس أحلام ولا حاجة.

ـ أمال؟

ـ عادي.

ـ عادي؟

ـ أيوه. بيختلف، ويزعل، ويتضايق، بس بيتكلم. وأنا دي أول مرة أحس إن ده أهم من أي حاجة.

وفي يوم من الأيام، كنا كلنا متجمعين.

أنا، سالم، مريم، علياء، حسام، كارم، نورهان.

البيت كان مليان كلام وضحك.

بصيت حواليّا.

نفس العيلة اللي كانت من سنة واحدة بس متفرقة بسبب وعد قديم، قاعدة دلوقتي مع بعض.

سالم قال:

ـ ناقص حاجة واحدة.

قلت:

ـ إيه؟

طلع ورقة قديمة من درج.

كلنا بصينا له.

قال:

ـ الورقة دي لازم تتخلص.

علياء ضحكت.

ـ ارميها.

سالم بص لي.

ـ ولا نخليها ذكرى؟

مريم قالت:

ـ خلوها ذكرى.

كارم قال:

ـ بس بشرط.

ـ إيه؟

ـ نكتب عليها من وراها.

ناولني القلم.

قلت:

ـ نكتب إيه؟

كارم ابتسم.

ـ “ممنوع اتخاذ أي قرار يخص أولادنا من غير ما نسألهم.”

ضحكنا كلنا.

وكتبناها.

وبعدها احتفظنا بالورقة.

مش عشان نعيش أسرى للماضي.

لكن عشان نفتكر.

نفتكر إن أحيانًا الحب الزائد ممكن يتحول لضغط.

وإن خوف الأب على بنته ممكن يخليه يمنع عنها حاجات هي أصلًا قادرة تختارها.

وإن الوعد، مهما كان جميلًا، ما ينفعش يبقى أقوى من رغبة الإنسان في حياته.

أما كارم، فبقى يضحك لما نفتكر يوم الخطوبة.

مرة قال لي:

ـ بابا، أنا لحد دلوقتي مش مصدق إني دخلت البيت يومها ماسك نورهان في إيدي.

قلت له:

ـ وأنا لحد دلوقتي مش مصدق إني ما طردتكش من البيت بعدها.

ضحك.

ـ كنت هتعمل إيه؟

ـ كنت هسيبك تنام عند عمك.

سالم من بعيد قال:

ـ وأنا كنت هخليه ينام عندي بس على الكنبة.

ضحكنا كلنا.

وفي آخر الليل، بعد ما الناس مشيت، فضلت واقف في البلكونة.

بصيت للشارع.

افتكرت اليوم اللي بدأت فيه الحكاية.

افتكرت وعدي أنا وسالم.

افتكرت علياء وهي واقفة قدام كارم يوم الخطوبة.

افتكرت الجملة اللي قالتها:

“الوعد كان بينكم، مش بيني وبين كارم.”

وقتها كنت فاكرها مجرد جملة قالتها وهي موجوعة.

لكن بعد كل اللي حصل، فهمت إنها كانت أهم جملة في الحكاية كلها.

لأننا فعلًا كنا عايشين على وعد إحنا عملناه.

وهم كانوا بيدفعوا تمنه.

كارم اختار طريقه.

علياء اختارت طريقها.

مريم رجعت لأهلها بعد سنين.

وسالم اتعلم إن حماية أولاده مش معناها إنه يقرر مكانهم.

وأنا اتعلمت إن الأب والأم والأخ والأخت ممكن يحبوا بعض جدًا، ومع ذلك يخطئوا في حق بعض من غير قصد.

وأحيانًا، تصحيح الغلط مش محتاج معجزة.

محتاج بس شجاعة إنك تقول:

“أنا غلطت.”

وبعدين تبدأ تصلح.

وبعد شهور، في يوم عادي جدًا، كنت داخل البيت، لقيت علياء قاعدة مع مريم في الصالة.

مريم كانت ماسكة ألبوم صور قديم.

علياء قالت لي:

ـ تعالى شوف.

قربت.

فتحت صورة.

كانت صورتي أنا وسالم وإحنا شباب.

ضحكت.

ـ الصورة دي هي اللي بدأت كل الحكاية.

مريم قالت:

ـ لأ.

ـ أمال إيه؟

مريم قلبت الصفحة.

وكانت هناك صورة قديمة لطفلتين صغيرتين.

أنا وعلياء.

وفي الصورة كانت أختي مريم واقفة جنبنا.

أنا بصيت للصورة.

ـ مريم… دي إنتِ؟

ضحكت.

ـ أيوه.

ـ يعني إحنا اتصورنا مع بعض؟

ـ أيوه.

ـ وأنا كنت عارفة إنك أختي؟

ـ لا.

ضحكنا.

وبعدين مريم قالت:

ـ يمكن ربنا كان مخلي الصورة دي موجودة عشان نفتكر إننا كنا عيلة من البداية.

سكت.

بصيت للصورة طويلًا.

وفهمت إن الحكاية كلها ما كانتش عن خطوبة اتلغت.

ولا عن ابن اختار بنت تانية.

ولا عن ورقة قديمة.

الحكاية كانت عن ناس افتكروا إنهم يقدروا يكتبوا مستقبل أولادهم، وبعدين اكتشفوا إن لكل إنسان طريق لازم يمشيه بنفسه.

وأكتر حاجة أسعدتني إن النهاية ما كانتش إن حد كسب وحد خسر.

النهاية كانت إن كل واحد رجع لمكانه الحقيقي.

كارم اختار نورهان.

علياء اختارت حسام.

مريم رجعت لعيلتها.

وسالم رجع لأبوته من غير سيطرة.

وأنا رجعت لأخويا من غير وعود.

ومن يومها، كل ما حد في العيلة يقول:

“أنا وعدت.”

نضحك ونرد عليه:

“وعد مين؟ اسأل صاحبه الأول.”

لأننا أخيرًا فهمنا إن أجمل حاجة ممكن نعملها للي بنحبهم، مش إننا نرسم لهم حياتهم…

لكن إننا نديهم مساحة يرسموها بنفسهم.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى